أفكار ومواقف

الكيان أم إيران..؟!

تقيم «الرؤية» الأميركية للمنطقة في «صفقة القرن»، فكرة تطبيع العرب مع الكيان الصهيوني على أساس الخوف المشترك من إيران. حتى ينجو العرب من «التهديد الإيراني»، فإن على أنظمتهم التضحية بالشعب الفلسطيني وقضيته، وبمشاعر شعوبها، وبالقدس والمقدسات، والكرامة الوطنية، وأن تنفق المال أيضاً. والنهاية: يستبدل العرب «المهيمن الإيراني» المفترض بالمهيمن الصهيوني وسيده الإمبريالي الأميركي، نقطة!
تقول «رؤية» ترامب عن إيران والكيان: «لا تشكل دولة إسرائيل تهديدا للمنطقة على الإطلاق. ومع ذلك، تشكل الظروف الاقتصادية وأنشطة إيران الخبيثة تهديدا وجوديا للعديد من دول المنطقة. وسوف يتيح دمج إسرائيل في المنطقة لها المساعدة في مجموعة واسعة من التحديات الاقتصادية، وكذلك مواجهة تهديدات إيران».
هل حقاً لا تشكل «إسرائيل» خطراً على المنطقة، وتشكل إيران «تهديداً وجوديا» للعديد من دول المنطقة؟ وجوديا مرة واحدة؟! ماذا عن 365 مليون عربي والترليونات من الأموال حتى يهددهم 80 مليون إيراني مع اقتصاد محاصر، ويجعلوهم ينبطحون لعدو تاريخي صريح مثل العدو الصهيوني؟ هل احتلت إيران مقدسات العرب؟ هل اغتصبت أرض شعب عربي كامل ومرغت بالتراب كرامة العرب؟ هل يجاهر الإيرانيون بعدائهم للإسلام والمسلمين؟
يمكن أن تكون إيران منافساً إقليمياً عنيداً للعرب، له عصبياته القومية ومصالحه الدنيوية، والذي يستغل فقط ضعف العرب وإهدارهم إمكاناتهم للتوسع على حسابهم. لكن إيران تجاهر بالعداء لأطراف تعلن عداءها وازدراءها للعرب والمسلمين قولاً وعملاً: الأميركان والكيان الصهيوني. ومن المفارقات أن يكون «التهديد» الذي تشكله إيران على الكيان الصهيوني ومصالح الأميركان هي التبرير لالتحاق العرب بالحلف الأميركي-الصهيوني على حساب موقفهم الإنساني والقومي والديني ومصالح شعوبهم الحقيقية.
تقول «الرؤية»: «في السنوات القليلة الماضية، أصبحت إيران عنصراً مؤثراً في منطقة الشرق الأوسط، مما قد يؤثر على الأمن الإسرائيلي. وتسعى إستراتيجية إيران إلى تطويق إسرائيل، باستخدام لبنان وسورية وغزة ، ومحاصرة المملكة العربية السعودية والعراق والبحرين واليمن». ويكتب أفنير كوهين، جاسون بلازكيس: «يعتقد نتنياهو أن طهران ملتزمة التزاماً راسخاً بالحصول على القنبلة كأساس لتحقيق حلمها بالسيطرة على الشرق الأوسط. وهكذا ، كان هاجس إيران نووية هو القضية الوحيدة التي تطارد نتنياهو منذ العام 2009».
فلتهدد إيران «الأمن الإسرائيلي»، ولتطوق «إسرائيل». أما أنها تحاصر السعودية والعراق والبحرين واليمن –وهو تقدير مبالغ فيه- فلماذا لا يرفع العرب الطوق عن أنفسهم بأنفسهم ولتقلع «إسرائيل» شوكها بيدها؟ ثمة دائماً الخيار المغيّب مع أنه المنطقي الوحيد: أن يتحالف العرب مع أنفسهم فلا يحتاجون حماية أحد؛ أن يجتمع الأشقاء في القومية والدم والتاريخ والمعتقد والمصلحة، وهم ليسوا في عوز إلى المال ولا الرجال لكي يكونوا أسياد أنفسهم.
من المضحك المبكي أن تعِد «الرؤية» بالازدهار الاقتصادي للإقليم إذا طبع العرب مع الكيان وباعوا الفلسطينيين وأنفسهم –بينما سيمولون هذا «الازدهار» هم أنفسهم. وتلخص «الرؤية» الفوائد التي تأتي من التطبيع: «وإذا أمكن تحقيق السلام، فإن التعاون الاقتصادي والأمني بين دولة إسرائيل وجيرانها العرب يمكن أن يصنع شرق أوسط مزدهراً مرتبطاً برغبة مشتركة في تحقيق الأمن والفرص الاقتصادية. وفي حال تنفيذها، يمكن أن تؤدي هذه الرؤية إلى تسيير رحلات جوية مباشرة بين دولة إسرائيل وجيرانها، ونقل الأشخاص والتجارة، وفتح الفرص لملايين الأشخاص لزيارة المواقع الدينية المقدسة في عقائدهم».
ماذا لو مول العرب ازدهارهم الإقليمي بأنفسهم فخططوا للتكامل –ما داموا هم الذين سيمولون في كل الأحوال- بحيث ينجحون من دون «تسيير رحلات جوية مباشرة بين دولة إسرائيل وجيرانها»؟ ولماذا يجب أن يعزلوا إيران ولا يعزلوا الكيان الصهيوني؟ لماذا لا يكونون نداً لهذا وذاك، فيحيدون الأولى ويفرضون على العدو التاريخي التأدب بدل استرضائه؟ من المؤسف أن يعمل عربٌ عرابين لتسليم مزيد من أشقائهم لنتنياهو، ولا يتأملون خيار التفاهم مع إيران –الأقرب في كل شيء- على وعود الأمن والازدهار الاقتصادي والسلام ومكافحة الإرهاب –نفس أسس «رؤية» ترامب لإذلال العرب.
الحقيقة، هي أن الكيان الصهيوني هو المحتاج بيأس إلى الحماية؛ من الفلسطينيين، والعرب -وإيران. إنه العضو الاصطناعي المزروع في جسم المنطقة بلا توافق في الجينات. إن لديهم دائماً خياراتهم لمواجهة إيران أو التطبيع معها، ولازدهار وطنهم الكبير من دون تطبيع مع الكيان الصهيوني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock