فكر وأديان

اللافتات الدينية

د. أحمد ياسين القرالة

انتشرت في العقود الأخيرة الكثير من اللافتات التي تحمل الأسماء أو الأوصاف الدينية، سواء كان ذلك في الميادين المالية والاقتصادية كالبنوك الإسلامية، والشركات الإسلامية والمشافي الإسلامي والمدارس الإسلامية، أو في الميادين السياسية أو المجالات الاجتماعية، كالأحزاب الإسلامية أو الجمعيات الإسلامية وغيرها.
وحتى نكون منصفين فإنه كان لهذه الأسماء مقتضيات زمانية وظروف استثنائية استلزمت وجودها والعمل بها، ولكننا نعتقد أن هذه المقتضيات والظروف قد زالت وانقضت، وأصبح بقاؤها واستمرارها يلحق الأذى والضرر بالدِّين، ويجعل منه وسيلة رخيصة للتربح والحصول على المكاسب والمغانم؛ لأن هذه المؤسسات التي تحمل اللافتات الدينية لا تخرج عن كونها شركات أو مؤسسات تنتج سلعاً وخدماتٍ تتاجر بها وتسعى إلى ترويجها وتسويقها، وقد لا تتوفر في هذه المنتجات عناصر الجودة والاتقان فلا تنال رضا المستهلك بل قد تثر غيظه وتجلب سخطه، مما ينعكس سلباً على الدين ذاته.
أو أن تكون أحزاباً أو جمعياتٍ تعمل بالعمل العام وتمارس النشاط السياسي، وهو عمل لا يخلو من المخاطرة والمنافسة والصراع على المواقع والمناصب الذي يفتقر في حالات عديدة إلى الأخلاق الفاضلة وشرف المنافسة والخصومة، وقد تتعرض هذه الأحزاب أو الجمعيات للإخفاق السياسي والاقتصادي وتقع في الأخطاء نتيجةً لبعض الاجتهادات والرؤى، وتتعرض من قبل منافسيها للتشويه والتحريض الذي قد ينسحب على الدِّين نفسه؛ فيتحمل وزرَ تلك الأخطاء والتصرفات ويصبح طرفاً في صراع بين الفرقاء السياسيين، مما يحمل البعض على اتخاذ مواقف ظالمة وغير منصفة منه.
الأصل في العمل السياسي أن تكون المنافسة فيه قائمة على البرامج والخطط وجودة الخدمات المقدمة للجمهور، لا بناءً على أسماء وأوصاف لا تقدم ولا تؤخر تسعى لاستغلال العاطفة الدينية النبيلة عند الناس لتحقق مآرب دنيوية ومصالح شخصية، بل إن المقاصد الدينية لا يمكن تحقيقها بهذه الطريقة وهذا الأسلوب؛ فالعمل الخالص المتقن بقطع النظر عن اسمه ووصفه هو الذي يؤثر في الناس ويحملهم على احترام صاحبه وتقدير دعوته والاستجابة لها، قال تعالى:” فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ” وصالح العمل ليس هو الاسم وجميل الوسم بل هو الخالص والصائب منه.
أثبت الواقع أن عدداً من هذه الأسماء واللافتات لم يكن لها من هدف أو غاية سوى استغلال العاطفة الدينية عند الناس؛ لتسويق منتجات أو كسب الشِّيع والأنصار، فيصبح الدين مطيةً لتحقيق مآربَ دنيويةٍ ومصالحَ ذاتيةٍ رخيصةٍ بوسيلة نبيلة شريفة.
ولا يقتصر ضرر هذا الاستغلال على الدِّين وحده، وإنما يلحق الضرر بالمجتمع نفسه حيث يؤدي إلى تشتت المجتمع وتفرّقه، ويعمل على استثارة الخلافات وتحريك النزاعات بين الناس تحت لافتات وعناوين مختلفة.
قد يكون من المتصور أن تلجأ الأقليات الدينية إلى بعض هذه المسميات في المدارس ورياض الأطفال؛ للحفاظ على ذاتيتها وصيانة هويتها والعناية بثقافتها الفرعية في ظل الأكثرية، ولكنه يغدو من غير المقبول ولا المبرر أن تقبل الغالبية العظمى من الناس والأكثرية من الجمهور أن تعامل نفسَها بنفسها معاملةَ الأقليات، فتلجأ إلى إثبات ذاتها وتحقيق وجودها عبر تلك الأسماء والنعوت.
الدِّين من أخص خصوصيات الشخص الطبيعي الذي هو الإنسان، فهو وحده المكلف بالاعتقاد والعبادة وغيرها من مقتضيات الدِّين، أما مَن عداه من الشخصيات الاعتبارية والمؤسسات المالية والتجارية والأحزاب السياسية فلا دين لها ولا عقيدة ولا تكليف عليها؛ لذا فتسميتها بأسماء دينية أو نعتها بالأوصاف المقدسة لا يغير من حقيقتها شيئاً ولا يجعلها متدينة ولا يمنحها امتيازاً أو تزكية ذاتية، لا فرق في ذلك بين دينٍ وآخر، فما ينطبق على الإسلام ينطبق على غيره من الأديان.
ما عاد من المقبول في مجتمع يدين معظم سكانه بالدين الإسلامي، والأقلية الدينية فيه لا تشكل منافساً له أو مضاداً له، بل تعتز به وتعتبره ثقافتها وحضارتها، ما عاد من المقبول الاستمرار في تلك الأسماء أو السماح بالمزيد منها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock