أفكار ومواقف

اللامركزية.. لكي لا تظلم التجربة

لو ذهبت الى أحد التجمعات السكانية التي تنتشر على مساحة الأردن وسألت عينة ممن تصادفهم عن اللامركزية فربما تحصل على اجابات متنوعة لا قواسم مشتركة بينها. وقد يزداد الامر تعقيدا لو تابعت تحقيقاتك بالسؤال عن الفرق بين المجالس الثلاثة (البلدي والتنفيذي ومجلس المحافظة). فالمفاهيم متداخلة والمهام متشابكة والناس لايكترثون كثيرا لما تقوم به المجالس ولا بمن يشغلها فهم يقيمون علاقاتهم مع اشخاص انتخبوهم يتوجهون لهم ويطلبون منهم المساعدة في تسيير معاملاتهم ايا كانت مواقعهم، لذا يصبح الصوت استثمارا لصاحبه يحاول أن يجني أرباحه عندما يحتاج إلى خدمة من اعطاه الصوت.
اليوم وبعد انقضاء مرور ما يقارب العامين على انتخاب المجالس ما تزال الصور والانطباعات التي يحملها الأردنيون عن اللامركزية مشوشة وغامضة. فباستثناء اعضاء المجالس وقلة من الاشخاص الذين تتقاطع واجباتهم معها يجهل غالبية الناس مفهوم اللامركزية وغاياتها وادوار المجالس التي امضت نصف عمر دورتها الافتراضية. وتمتد حالة الخلط والغموض لتشمل بعض اعضاء المجالس والاعلاميين وقد تصل الى بعض المسؤولين.
الاسباب الكامنة وراء هذا الخلط وسوء الفهم والالتباس عديدة ومتنوعة , منها ما هو مرتبط بحداثة التجربة ومنها ما هو عائد للقيود التشريعية التي صاحبت التطبيق وحالت دون الانتقال من مركزية التخطيط والتنفيذ الى مركزية التخطيط ولامركزية التنفيذ كما هو متوقع من المشروع في مراحلة الاولى.
ما يزال الناس يتحدثون عن اللامركزية باعتبارها تفويضا لبعض الصلاحيات التي تنهض بها الادارة المركزية في حين يظن اعضاء المجالس او يتطلعون الى تشريع ينقل الصلاحيات المتعلقة بالتخطيط والتنفيذ الى مجالس المحافظات بشقيها الاهلي والتنفيذي.
في الاوساط البعيدة عن التطبيق يجري تشبيه اللامركزية بمجالس النواب المحلية ويعتقد ان لها من المسؤوليات وتملك من السلطات ما يمكنها من اقرار الخطط والموازنات او رفضها. وفي حالات اخرى ينظر إليها باعتبارها سلطة تنفيذية محلية تستطيع اقرار الاولويات وتقدير الكلف وطرح العطاءات ومراقبة تنفيذ المشاريع والانفاق عليها باستقلالية ودون العودة الى اية مرجعيات اخرى.
التطبيق الحذر للامركزية بدا واضحا منذ الاعلان عن تبني المفهوم فقد حرصت الحملة الاعلامية التي اعدتها الحكومة للتعريف باللامركزية على بيان ما هو خارج صلاحيات اللامركزية اكثر من تبيان خصائصها وايجابياتها واسس نجاح تطبيقها فلم تشتمل الحملة ولا برامج التعريف على شروحات مفصلى حول ما تعنيه اللامركزية للمجتمع ونوعية التاثير الذي سيحدثه التطبيق على نوعية الخدمات وبرامج التنمية التي تنفذ في مجتمعاتهم.
من الصعب على الدولة ان تطور الادارة وتحقق الاصلاح الاداري السياسي المنشود من خلال ايجاد كيانات ادارية وسياسية لا تملك سلطة حقيقية ولا يوجد لها ادوار محددة وذات معنى، فمن غير الممكن ولا المتوقع ان تحقق المجالس الجديدة انجازات قابلة للتقييم والرصد وهي تتقاسم المهام الشكلية مع المجالس والكيانات الاخرى في بيئة ادارية شديدة المركزية تحتفظ فيها الوزارات المركزية بمهام التخطيط والتنفيذ والانفاق.
التشابك والالتباس في المهام والصلاحيات لدى القيادات الميدانية واعضاء المجالس كان واضحا من المداخلات التي قدمها عدد كبير من المشاركين في سلسلة اللقاءات التي نظمها المجلس الاقتصادي الاجتماعي ووزارة الشؤون السياسية لتقييم التجربة. فقد تباينت الآراء واختلفت المواقف و تعددت المقترحات واختلفت الصورة التي يحملها المعنيون لمفهوم اللامركزية ومقاصد ايجادها ومجال اختصاصها ومدى النجاح الذي تحقق من تطبيقها والانعكاسات والآثار التي احدثتها على واقع المجتمعات المحلية والبنى الادارية وعلاقة الدولة بالمجتمع ونظرة السكان لانفسهم ومجتمعاتهم ومدى الاحساس بالمشاركة والمسؤولية لدى الشرائح الاجتماعية والفئات المشكلة لهذه المجتمعات.
لكي لا تظلم التجربة ويحكم عليها بالفشل ينبغي الاستماع جيدا الى كافة الاطراف وهم يتعاملون مع الاسئلة الرئيسية المتعلقة بماهية اللامركزية؟ والغاية من التطبيق؟ واوجه التداخل مع المجالس والكيانات الاخرى؟ ونوعية التغيير المنتظر احداثه في نوعية حياة المجتمعات ومشاركتها؟ والأثر المتوقع من التطبيق على المشاركة الشعبية وعلاقة الدولة بالمجتمع؟ بدون اجراء مثل هذا التمرين وضمان الشروط الموضوعوية لنجاح التطبيق فإن التجربة لا ولن تحقق المرجو منها وسيحكم عليها البعض بأنها لا تناسب مجتمعنا ويجدون في ذلك مبررا للعودة الى اساليب الادارة التقليدية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock