أفكار ومواقف

اللجنة الملكية للتحديث.. أين وصلنا؟

سائد كراجة

الجواب المباشر، أكملت اللجنة الملكية مهمتها، وذلك بوضع البيئة التشريعية اللازمة للعملية الاصلاحية، وأهمها التحول إلى الأحزاب البرامجية باعتبارها الاطار القانوني لمستقبل العمل السياسي في الأردن، ملامح هذه البيئة التشريعية هي احزاب برامجية عمادها الشباب والمرأة، وصولا لتأليف حكومات “حزبية” من حزب يحوز أغلبية مقاعد البرلمان، أو يتحالف مع أحزاب وشخصيات للوصول إلى تلك الاغلبية، وبهذا تتحقق بشكل عملي القاعدة الدستورية المهمة ان “الأمة مصدر السلطات”، وتتم مشاركة الشعب في الحكم عن طريق نواب منتخبين على اسس حزبية برامجية، وليست جهوية او عصبية.

ولكن ما الجديد عن مشاريع الاصلاح السابقة؟ الجديد انه منذ الميثاق الوطني، مرورا بالأجندة الوطنية وليس انتهاء بلجنة الحوار الوطني، فقد ترجمت توصيات اللجنة خاصة في مجال الاحزاب والانتخاب إلى قوانين نافذة، ولهذا فإن مشروع الاصلاح المقترح اصبح اليوم تشريعا نافذا، لا بل تم تحصين هذه القوانين للحيلولة دون العودة عنها، وذلك برفع النسبة اللازمة لتعديلها، لتكون النسبة المطلوبة لتعديل الدستور، وهذا – وان كانت قد ترد عليه كثير من التحفظات- الا انه يقع ضمن ما يمكن تسميته حالة “التفاوض الوطنية” بين قوى التغيير وقوى الدولة العميقة، لغاية دفع الجميع للركوب في مركبة التحديث والتغيير والشعور بالاطمئنان على ما يراه كل طرف مصلحة وطنية.

التعديلات الدستورية التي زادت على العشرين، صبت في اغلبها في توجه التحديث السياسي، ودعم المرأة والشباب، وتحديث العمل البرلماني. والنصوص الخلافية في التعديلات الدستورية التي رآها البعض “خروجا عن روح دستور 1952” فإنها ليست مقدسة، ويمكن الرجوع عنها في مراحل مستقبلية، ولكنها في مجملها ايضا تدخل في حالة “التفاوض الوطنية” بين قوى الدولة العميقة وقوى التحديث، وذلك بمحاولة جسر الهوة بين فكر محافظ، يرى ان اطلاق العقال على حله قد لا يكون “آمنا” على مستقبل الدولة، وبين قوى التحديث التي تؤمن أن لا خيار سوى الذهاب للمستقبل بثقة وامن مع الحفاظ على دستور عام 1952 روحا ونصا.

تاريخ الشعوب السياسي يعرف مثل حالات “التفاوض الوطنية” هذه، وهي ليست اختراعا أردنيا، والحقيقة ان افضل طريق للحفاظ على الدستور هو الذهاب نحو المشروع السياسي للوصول إلى حكومات حزبية تمثل الشعب بموجب اغلبيات تستطيع تعديل القوانين بما في ذلك الدستور، ولهذا فإن الذهاب والانخراط في مشروع المستقبل هو اهم ضمانة لتحقيق كل ما يمثل ارادة الشعب قانونيا ودستوريا.

السؤال المضمر هنا، هل الدولة العميقة وعلى رأسها الاجهزة الامنية تؤمن حقيقةً برؤية التحديث السياسي؟ الصالونات واغلب الشخصيات السياسية، وبعض الممارسات على الارض تقول بغير ذلك، رغم ان الخطاب المعلن انها تدعم مشروع التحديث السياسي، ولعله لأول مرة يخرج مسؤول جهاز امني في مؤتمر صحفي ليعلن دعمه لمخرجات اللجنة الملكية، ولكن ايضا فإن التراكم الحزبي السياسي في ضوء البيئة التشريعية الجديدة، سيخلق حالة سياسية تجعل اي جهة خارج التيار العريض للاصلاح والتحديث مضطرة للالتحاق به!

شعبيا صاحب تشكيل اللجنة ومخرجاتها تشكيك كبير وكثير، وايضا فهم البعض هذه المخرجات انها فقط خطة لتشكيل حكومة او فرصة لتعيين وزير، وفهم ان الانتقال للحياة الحزبية هو نشاط تلميعي لوجهاء يبحثون عن واجهات، الامر الذي انتقده جلالة الملك، وايضا رئيس اللجنة الملكية في لقاء امس في منتدى شومان.

من يفهم ان الاحزاب طريق لإعادة تدوير شخصيات معينة لم يفهم شيئا من توصيات اللجنة الملكية، الفترة الانتقالية لتحقيق مخرجات اللجنة الملكية على ارض الواقع، فترة بناء عضوي للمشهد السياسي لينتج حالة سياسية أردنية وطنية، عمادها الشباب بمعنى جيل جديد من صانعي مستقبل وفكر سياسي جديد في الأردن.

التحدي اليوم هو ان تساهم مخرجات اللجنة الملكية في خلق حالة جماهيرية تشكل عضويا في المشهد السياسي الأردني حركة سياسية، تقوم على سيادة القانون وحقوق الأردنيين وحرياتهم، وتدرك انه في سبيل هذا الهدف فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وان التراكم الشعبي والانخراط في العمل السياسي البرامجي سيحقق بالضرورة سلطة الشعب، والسؤال الاهم كيف يمكن تحقيق مثل هذا الانخراط الشعبي في ضوء كل التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه الأردن، ذلك سؤال مهم برسم التفكير جنابك!

المقال السابق للكاتب 

شيرين الفلسطينية والقانون الدولي

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock