أفكار ومواقف

اللجنة الملكية والأحزاب

لا حياة سياسية فاعلة دون أحزاب، ولا ثراء سياسيا دون تنافس ديمقراطي بين الاحزاب للوصول الى الحكم “الحكومة”.
الأحزاب الاوروبية ذات نشأة برلمانية، حيث تكونت ككتل بين اعضاء في البرلمان، ثم خرجوا من سور البرلمان ليشكلوا احزابا لمأسسة تعاونهم البرلماني الذي اضحى مصلحة مستمرة، ولهذا تشكلت هذه الاحزاب كأحزاب “اطار”، لهيكلة عملها للوصول الى السلطة عن طريق تعظيم تمثيلها في البرلمان – مثال الحزب الجمهوري والديمقراطي الاميركيين.
مع بداية القرن العشرين وانطلاق الثورة الصناعية، وفكريا بعد ان وضع لينين العام 1902 كراسته المشهورة “ما العمل؟” انطلق نوع جديد من الاحزاب هي الاحزاب الايديولوجية الثورية، اقدمها الحزب الاجتماعي الديمقراطي الالماني، وبعدها الاحزاب الشيوعية والاشتراكية المشهورة، هذه احزاب تهدف ليس فقط للوصول الى السلطة، بل الى اعادة تفكيك وتشكيل المجتمع من جديد في ضوء رؤيتها الايديولوجية للعالم، الحزب الشيوعي، والاحزاب الدينية في العالم العربي مثالا.
العملية السياسية تهدف الى تمثيل الشعب صاحب السلطة في الحكم بواسطة نوابه في البرلمان، والمهمة الاساسية لأي حزب ان يحقق هذا التمثيل، ولكن الاحزاب من ناحية عملية، تميل الى تمثيل مصالحها وايديولوجياتها، والتي قد تبتعد عن تمثيل مصالح الامة، العالم العربي امام هذه الحقيقة عمد الى “حظر الاحزاب”، العالم الديمقراطي حل الاشكال بتشجيع التنوع والتعدد الحزبي، حيث المنافسة السياسية على صوت الناخب تمنع تفرد اي حزب بالسلطة، وتردع سيطرته على مصير الامة، فتدفع الاحزاب بعضها بعضا وبهذا يتحقق التداول السلمي للسلطة.
نشأت الاحزاب العربية في بيئة الحظر والسرية من جانب، وفي ظروف مقارعة الاستعمار والحكم الشمولي من جانب آخر، وهي في معظم جذورها التاريخية “ثورية انقلابية”، تشكل جزءا اساسيا في تاريخها بهدف الانقلاب كطريق للتحول الديمقراطي او الثوري، وهي احزاب جماهيرية احتجاجية، مارست قليلا من العمل البرلماني الحقيقي، وكثيرا من الثورة والثورية والانقلابية. التطور الآخر على الاحزاب والجماعات في العالم العربي طرأ عموما بعد الثورة الايرانية وردة الفعل الوهابية عليها، فنشأت الاحزاب التكفيرية التي لم تكتف بالقطيعة مع الحاكم، بل ذهبت للقطيعة مع المجتمع بحكم انحرافه مع ما تعتقد هذه الجماعات انه “الدين”، وشكل هذا تحديا للأنظمة والاحزاب، عجزت عمليا عن مواجهته بأي خطة متكاملة واعية، وساهم هذا التطور ومحاولة الرد عليه ليس فقط في تفشي ذهن التكفير الديني والسياسي، بل في تكريس الحكم الشمولي غير الديمقراطي بحجة الحاجة للامن، ونكص العالم العربي منذ السبعينيات في ظلام معادلة مزيفة هي التخيير بين الامن والديمقراطية!
في الرسالة الملكية للجنة الملكية للتحديث والتطوير السياسي توجيه ناجز على اهمية الحياة الحزبية، وعلى ضرورة تفعيلها، باعتبارها ضمانة التداول السلمي للسلطة، والآلية الامثل للوصول إلى حكومات برلمانية برامجية مأمولة.
وفي الرسالة الملكية ايضا إعلان صريح أن الأردن اعتمد الاحزاب البرامجية الوطنية التي لا تقوم على “الأيديولوجيا” فقط، باعتبار هذه الاحزاب ضرورة للنماء والتحديث السياسي، وتوجيها للدولة برمتها، ان الدولة تصالحت او يجب ان تتصالح مع ان الاحزاب مكون وطني وعماد العملية السياسية في الأردن، وفي هذا تحول اساسي وعميق.
حوارات اللجنة الملكية التفتت للأحزاب نفسها، والى اهمية وجود آليات لضمان “ديمقراطية” الاحزاب ذاتها، ولديها اصرار على منع احتكار السلطة في الحزب لأي شخص كان، وحرص على ضمان تمثيل مهم للمرأة والشباب، وهذا ايضا تطور مهم.
مع كل هذه الافكار التقدمية المهمة، فإن تفعيل هذه الرؤى يتطلب الاتفاق الناجز النهائي بين جميع اطراف المعادلة السياسية؛ على ضرورة رفع جميع اشكال القيود “الخفية” الثقافية والاجتماعية والامنية على الحياة الحزبية، وعلى ضرورة تعزيز مفهوم ان الاحزاب البرامجية التقدمية تعزز الامن وتخدم المصالح العليا للدولة، خلاصة القول ان جهود وضع قوانين تقدمية ناظمة للحياة الحزبية، يجب ان يصاحبه عمل دؤوب على تغيير الثقافة المعادية للأحزاب التي دامت عقودا، وبغير هذا سنبقى نحرث في الماء – لا سمح الله-، فاهم علي جنابك؟!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock