أفكار ومواقف

اللقاحات أحيت الأمل.. ولكن..!

إذا كان التاريخ دليلاً موثوقاً، فإن محنة فيروس كورونا المستجد ستذهب حتما إلى منطقة الذكريات. وفي الحقيقة، بدأت أخبار مقرونة بالأمل تظهر تباعا عن التوصل إلى لقاحات فعالة لإيقاف الوباء. وحسب التقديرات، فإن شتاء العام المقبل سيشهد على الأغلب عودة إلى قدر معقول من الطبيعية.
بالنسبة لسكان الدول الفقيرة، يغلب أن تتأخر عليهم اللقاحات -كما هي قسمتهم من كل شيء. وتضاعف هذه الحقيقة متاعب الوباء في أمكنة لا تنقصها المتاعب. لكنّ توصل البشرية إلى وسيلة للتغلب على هذا الفيروس الماكر يشعل ضوءا تمس الحاجة إليه في نهاية النفق المعتم –ولو أن الطريق سيكون أطول على الفقراء.
يتحدثون اليوم عن لقاح شركتي “فايزر” الأميركية و”بيونتيك” الألمانية، ولقاح شركة “موديرنا” الأميركية، واللقاح الروسي. وهناك لقاح يعمل عليه مشروع “أكسفورد/ “إسترا-زينيكا” في بريطانيا. ولا بد أن تكون دول متقدمة أخرى قد قطعت شوطاً في إنتاج لقاحاتها الخاصة. وسوف تعني زيادة البدائل تقصير أمد المعاناة الإنسانية وزيادة فرص الناس في النجاة في كل مكان.
ولكن، حتى ذلك الحين، سيكون الخيار المنطقي والإنساني حيث يُتاح الاختيار هو حفظ أرواح أكبر عدد ممكن من الناس الذين يمكن إنقاذهم –نظرياً- باتباع المخططات المعروفة. وينتمي معظم هؤلاء إلى الفئات الضعيفة من المسنين والمرضى، بينما لا يوفّر الوباء الناس من مختلف الأعمار والفئات –سواء بالقتل أو الإيلام والضرر البليغ –أو التسبب بقطع الأرزاق وتضييق الحياة. وسوف يتحدد فشل أو نجاح الدول في التعامل المرحلي مع الوباء بعدد الناس الذين تتمكن من إنقاذهم من العدوى أو الموت عندما يعتمد ذلك على القرارات والإجراءات.
المشكلة في معظم الدول أن الجزء الأساسي من الحرب مع الفيروس يتعلق بما يُدعى “وعي الناس”. وهذا منطقي. فحيث تحلى الأفراد بالمسؤولية العملية والأخلاقية تجاه أرواحهم وأرواح مواطنيهم واقتصاد بلدانهم وسبل معاشهم الخاصة، قلت الإصابات بحيث أمكنت استعادة العمل والحياة بدرجات معقولة. أما حيث يفتقر البعض إلى الحس بالواقع والمسؤولية، فتكثر الإصابات والوفيات، ويعاني القطاع الصحي، فتضطر السلطات إلى فرض الحظر والإغلاقات.
يقول الكاتب الأميركي ديفيد فون دريله عن مسألة “وعي الناس” هذه: “حتى فكرة التضحية المشتركة، التي تشكل حجر الأساس للصحة العامة، أصبحت مهملة. سوف تكون تدابير مثل ارتداء أقنعة الوجه وغسل اليدين والتباعد الاجتماعي فعالة ضد الوباء فقط إذا مورست على نطاق واسع ومتسق. ومع ذلك، بالنسبة للعديد من الأميركيين (وغيرهم حول العالم)، فإن الحق المفترض للأفراد في اختيار عدم الالتزام بهذه الإجراءات السهلة نسبيًا، يفوق لديهم حتى خطر موت مواطنيهم. لقد وصلت النزعة التحررية إلى نهاية حدودها المنطقية عندما أصبح الناس يعلنون أنهم أحرار في أن يكونوا ناقلين للمرض”.
وإذن، ما الذي يمكن عمله مع هذه الحقائق؟ نعرف من تجربتنا في الأردن أن هناك نسبة ليست هينة من الناس الذين يفسدون كل المخططات. ونرى هؤلاء كل يوم وفي كل مكان، بلا كمامات أو تباعد أو قلق على صحة مواطنيهم، ويعملون بدأب النمل على جعل فتح القطاعات وتخفيف الأعباء على القطاع الصحي خيارات مستحيلة. ومن الطبيعي أن يكون أصحاب القرار الذين يتعاملون مع هذا النوع من “التحررية” مجبرين على الحظر والإغلاقات كملجأ أخير عندما تصل القدرات الصحية إلى نقطة حرجة.
عندما يكون حاصل جمع “وعي الناس” –بغض النظر عن الملتزمين الكثر- هو مضاعفة الإصابات والوفيات وإجهاد القطاع الطبي، سوف تظل المراوحة بين الفتح ومستويات مختلفة الشدة من الإغلاقات هي السبيل الوحيد لشراء الوقت وإنقاذ ما يمكن من الأرواح حتى وصول لقاح ناجع بكميات كافية. وإلا سيكون الفتح غير المحدود وغير المقنن الذي يطالب به البعض أشبه باقتراح إبادة جماعية لمواطنيهم.
الآن، مع وجود نهاية للوباء في الأفق مع اكتشاف اللقاحات، ينبغي أن يعين الأمل الناشئ على تحمل المشقة، كما يحدث من تجدد الطاقة عندما تصبح نهاية الطريق قريبة نسبياً. وعندما لا يخدم “وعي الناس” -بسبب الناس- في إبقاء مستويات العدوى والأضرار الصحية معقولة يمكن التعامل معها، فإن الإغلاقات والحظر ستكون ثمناً يستحق دفعه من أجل أن ينجو المهددون، ويعيشون ويتذكرون.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock