أفكار ومواقف

الليبراليون والمحافظون في الحالة الأردنية

يتم تكراراً إساءة استخدام مصطلحات “الليبراليين” و”المحافظين” لإعطاء وصف ايديولوجي لفئة من الاردنيين. توظيف هذه المصطلحات اردنيا ابعد ما يكون عن تعريفها الدقيق، او السياق الذي تستخدم به عند مجتمعات اخرى. غدت هذه التوصيفات اقرب للسبة او الشتيمة من قبل الفئات التي تختلف معها، ويجتهد كثيرون للدفاع عن انفسهم ونفي هذه “التهم” عن اعتقاداتهم وقناعاتهم الفكرية.
في الحالة الاردنية، لا المحافظون يعتبرون محافظين بالمعنى السياسي والعلمي الدقيق للكلمة، ولا الليبراليون كذلك. كلاهما يجمعهم اكثر بكثير مما يفرقهم فكريا. المحافظون في الإطار السياسي الاردني هم في الواقع ليبراليون اجتماعيا تماما كما الليبراليين، وكلاهما مختلف تماما عن المحافظين الدينيين المنغلقين جدا اجتماعيا لتوظيفهم الدين واستخدامه كأساس لسياساتهم الاجتماعية وتلك المرتبطة بحرية الافراد. اقتصاديا المسألة اعقد، فالمحافظون الاردنيون يقبلون زيادة الضرائب لتمويل الخزينة مع انهم في مجتمعات اخرى يكونون مع خفضها لأنهم ينتمون للأعمال الكبيرة الرابحة التي تسعى لعدم زيادة الضرائب. والليبراليون أردنيا مع خفض الضرائب على عكس ليبراليي العالم الذين يسعون لزيادة الضرائب من أجل الأخذ من الغني وإعطاء للفقير او الطبقة الوسطى على شكل خدمات عامة. وسياسيا الحال ليس اكثر وضوحا، فكلا الفريقين يسعى للإصلاح ولكنهم يختلفون داخل اروقتهم الذاتية على سرعته وماهيته، وهيهات ان تجدهم مجمعين على ذلك. المشهد الفكري يصبح متاهة حقيقية إذا ما اضفنا تقسيمات ايديولوجية اخرى مثل الاسلام السياسي واليسار التقليدي، فتجد حينها ان تقسيم المجتمع الاردني ايديولوجيا بدقة ضرب من المستحيل.
ما نزال بانتظار عمل احصائي ذي مصداقية مبسط ومباشر وشامل، يستطلع التوجهات الفكرية للاردنيين ضمن محاور اجتماعية وسياسية واقتصادية، ليكون لدينا خط بياني عرضي يقول لنا ما هو التقسيم الايديولوجي للمجتمع بحسب هذه المحاور. فائدة هذا الامر لا تضاهى، فهي اولا ستعمق وتعقلن النقاش العام حول السياسات والظواهر التي تواجهنا كبلد وكمجتمع، وثانيا، ستزيل حالة التشتت بالأفكار والأطروحات والمواقف التي يدعي مطلقوها أنها تمثل الغالبية، وثالثا، فالوضوح الأيديولوجي لفئات المجتمع سيفرز قيادات للأطروحات المختلفة التي ستكون مؤثرة بقيادة الافكار ونقاشها، واخيرا، فالاستطلاع المنشود سيهيئ لأطر سياسية حزبية او غير حزبية تكون الأقدر على الدفع باتجاه الاصلاح السياسي بثبات وعقلانية، وسيتمكن المجتمع والمراقبون من متابعة مواقف التيارات المختلفة وتقييمها، ما يعظم الأثر الإيجابي على زيادة الوعي والنضج السياسي العام وانتفاء الحاجة للخوض بالبديهيات مرارا وتكرارا.
محزن أن يكون المجتمع الأردني محروما من هكذا دراسات، ترسم لنا واقع الحال حتى يتسنى التعامل معه. مجرد إجراء الدراسة وطرح اسئلتها للعلن ستجعل كثيرين يدركون حقيقة اعتقادهم الايديولوجي، وسيكتشف كثير من دعاة الديمقراطية أنهم ليسوا ديمقراطيين وإنما يسعون لفرض افكارهم السياسية على الكافة، وسيكتشف كثير ممن يدعون الايمان بالتعددية انهم لا يؤمنون بها وإن كانوا يعلنون ذلك، وسيكتشف المحافظون والليبراليون انهم قريبون ايديولوجيا من بعضهم اكثر مما يعتقدون.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock