أفكار ومواقف

المؤامرة بزمن الكورونا.. بين الخيال والواقع

بالتوازي مع تزايد الهلع والقلق الإنساني من انتشار فيروس كورونا بأربع رياح الأرض، تحضر باستحياء تارة وبفجاجة تارة أخرى نظرية المؤامرة وسيناريوهات خطط الغرف المغلقة لتفسير انتشار الفيروس الكارثي، فيما يبدو نوعا من ردة فعل بدائية لملء فراغ العجز الإنساني بمواجهة عدو ماحق لا تراه العين وتتخبط الحكومات والعلماء بالتصدي لشروره وهجماته.
حتى السينما والأدب العالمي لم ينج من التوظيف والاستخدام بقراءة السيناريوهات المفترضة للمؤامرة، واستحضرت سلسلة واسعة من روايات الخيال العلمي وأفلامه السينمائية التي رسمت بخيال مؤلفيها ومخرجيها كوارث طبيعية أو مصنعة بشريا وقدمت صورا قاتمة لمستقبل البشرية فباتت اليوم حاضرة بمحاولات تفسير ما يصدم الوعي البشري الذي استفاق على كارثة الكورونا.
ليس غريبا ذلك على البشرية، ويبدو أن نزعة الإنسان للسيطرة على محيطه، ليس فقط بمعنى توظيفه لمنفعته بل أيضا بمعنى فهمه واستيعابه وربما التصالح معه بإخراجه من باب المجهول والغامض، هي نزعة أزلية تمتد منذ الإنسان البدائي الأول وحتى اليوم ومستقبلا رغم كل ما أنتجته الحضارة البشرية من علم وتقدم ووعي وفلسفة.
ضمن هذه النزعة كان الإنسان بالعصور الغابرة عندما يعجز عن السيطرة على الظواهر الطبيعية أو فهمها كالشمس والقمر والنار والرياح يذهب إلى تأليهها وعبادتها لتكفيه شرورها والتصالح معها. وبأوقات أخرى ذهبت المجاميع البشرية لتأليه الأشخاص من قادة وحكام ورموز لتجنب شرورهم أو لجمعهم وقيادتهم بوجه أخطار الطبيعة والمجاميع البشرية الأخرى، وهكذا دواليك.
اليوم؛ لم ينته التأليه للظواهر والأشخاص والرموز وإن تراجعت هالاتها مع تقدم الإنسان بمضمار السيطرة على محيطه وتطور العلوم والفلسفة ومفاهيم حقوق الإنسان وتعظيم قيمة الذات الإنسانية الفردية حتى لو كان ذلك نظريا. لكن مع عودة الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية كما في حالة وباء كورونا اليوم تعود نزعة السيطرة على المحيط وفهمه والتصالح معه لتنفجر بقوة لدى أعداد واسعة من البشر، فلا يجد الكثيرون، ومنهم متعلمون ومثقفون وحتى ساسة، مخرجا لهذه الحاجة إلا الذهاب والإغراق بنظرية المؤامرة والتفسيرات ما وراء الطبيعية لمحاولة استيعاب هذا الواقع الصادم والمهدد للكينونة الفردية والجماعية.
نحن نفترض هنا أن تفسيرات المؤامرة ووجود مخطط مفترض لنشر الفيروس من قبل حكومة ما لضرب أعداء أو منافسين لها من أمم ودول أمر مغرق بالخيالية لا يستقيم مع حقيقة أن خطر الوباء ضرب ويضرب في كل الدول ولم ولن تنجو دولة من شروره وأضراره صحيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وأن لا مصلحة لحكومات الدول المستهدفة بالمؤامرة المزعومة، وهي لا شك تمتلك أجهزة استخبارات وإمكانيات تجسسية عالية، عن كشف المخطط المزعوم لتنجو برأسها من المسؤولية أمام شعوبها وضحاياها.
لكن؛ هل يكفي ذلك لتفسير انتشار عقلية المؤامرة باتساع بصفوف البشر؟ بلا شك لا؛ فهذا العالم قبل كورونا وبعده يفيض بالمعاناة البشرية التي تسببها سياسات وقرارات الأقوياء وتحالفات المال والسياسة وأطماع الدول وحروبها واحتلالاتها المباشرة وغير المباشرة، وشراهة الرأسمالية القاتلة بمركزها الأميركي والغربي وامتداداتها التابعة والمرتبطة بها عضويا بباقي مكونات النظام الدولي الحديث.
معاناة واسعة وقاسية تتمثل باتساع مساحات الفقر والفاقة والجوع ونقص الخدمات الأساسية من تعليم وصحة ومياه شرب وانتشار سرطاني للمجتمعات المهمشة واليائسة بكل بقاع الأرض، وحتى في القلب منه ضمن مدن وحواضر أميركا ودول الغرب المتقدمة. سباق محموم وحروب للسيطرة على الأرض والسماء وجشع لا قاع له، ميزانيات للجيوش والتسليح وتخزين كل أنواع أسلحة الدمار الشامل تفوق بأضعاف مضاعفة ما يخصص للصحة والتعليم ومكافحة الفقر والبطالة والمرض والجوع.
في مثل هذا العالم، الذي يصفع وباء كورونا اليوم جدرانه ونوافذه الهشة ويتركه عاريا سافرا أمام عجزه وتخبطه الطويل، لا مناص للكثيرين -وللأسف- إلا التقهقر للخلف في الوعي والإغراق بعقلية المؤامرة لتفسير الوباء ووضعه ضمن سياق المعاناة الأكبر والأوسع الناتجة حقا عن فعل وسياسات واضحة وفاقعة للنظام العالمي القائم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock