أفكار ومواقف

المؤقت الذي يصير دائما

تعتقد السلطات السياسية في كل مكان (وهي ليست مخطئة تماما) أن السيادة تقتضي انتظام التلاميذ في مدارسهم والموظفين في أعمالهم حتى لو لم يكن ثمة حاجة لذلك، أو كان مخاطرة. وفي حال إقرارها عقليا بعدم ضرورة لذلك تتخذ سياسات رمزية للنظام في الأعمال والمؤسسات.
الذهاب إلى المدارس والأعمال في الصباح والعودة في المساء حتى بدون عمل أو محتوى تعكس الالتزام بالأنظمة والقوانين، على سبيل المثال لا علاقة للتعليم بطابور الصباح المدرسي. ثم يتحول هذا السلوك الرمزي إلى هوية وانتماء. ثم تتحول الهوية إلى معنى وجدوى. وبغير هذا السلوك اليومي والرمز نفقد المعنى. أليس كثيرا أن لم يكن معظم الأعمال والوظائف يمكن الاستغناء عنها أو إنجازها من بعد؟ لكن بغير هذا الطقس نفقد المعنى والأهمية. أليس العمل المنزلي مهما جدّا للذات والمجتمع والدولة؟ وبدون الالتزامات الأسرية تنهار المجتمعات والدول، لكننا لا نعتبر ذلك عملا مهما وحين نفعله نعتبره ليس عملا أو لا نرى له معنى أو قيمة ونرى أكثر أهمية منه وجدوى هدر الوقت في المؤسسات والنميمة والكيد المهني والإضرار بالمصالح العامة والخاصة باسم العمل. لكن لا السلطة ولا الموظفون يرون ذلك هدرا، أو بلا معنى ولا جدوى.
نحتاج اليوم للتفكير العميق والوعي الجمعي بمعنى السيادة ومعنى المعنى والجدوى. كيف نحقق السيادة؟ كيف نحقق المعنى والأهمية لذواتنا من ذواتنا أو ما نقدمه من فائدة لأنفسنا وأسرنا ومجتمعاتنا ودولنا وللعالم والبيئة والكائنات والحياة والكون. وليس من العمل أو من خارج ذواتنا؟
إذا نجحت تراتيب العمل والتعليم والتسويق من بعد، ومن غير حاجة إلى مبانٍ ومكاتب للعمل والتعليم والبيع والشراء، فإن العالم سيمضي ويواصل هذه الحالة، التي ابتدأت طارئة أو بديلاً، ويتحول إلى تعليم بلا فصول دراسية، وسيكون للمدارس والمعلمين دور جديد ومختلف، وستكون المصانع والمؤسسات من غير عاملين متواجدين في المباني والمكاتب إلا في نطاق محدود، هكذا سوف تتغير الأعمال والعقود والأجور، وبالطبع سوف تصعد الروبوتات (والفردية أيضاً)، وتتولى كثيراً من الأعمال التي كان يقوم بها البشر، وهو اتجاه تفضله الشركات بالطبع، وكانت تسعى إليه بكل ما تملك من قوة، وقد أصبح بفعل الوباء ضرورة، وتنشأ بطبيعة الحال، وتترسخ اتجاهات وأعمال جديدة، وتختفي أعمال ومؤسسات أو تتغير تغيراً كبيراً، ولا يتوقع أن تعود بعد انحسار الوباء.
وقد تعرضت عمليات السفر إلى ضربة قاصمة، ستؤثر في طبيعة واتجاهات السياحة وزيارة الأماكن السياحية والدينية، بل وربما يتغير معنى زيارات الأماكن الدينية في جميع الأديان والمذاهب، وهو اتجاه ستقاومه بالطبع المؤسسات الدينية ومؤسسات السياحة والسفر، لكن وكما نشأت وتوسعت وتطورت عمليات السياحة، استجابة لاتجاهات ثقافية ودينية جديدة شجعها تطور وسائل النقل، فإن تطور وسائل الاتصال تغير في طبيعة ووجهات الفكر والثقافة والسياحة والزيارة، لقد كان الحج قبل تطور وسائل النقل عمليات محدودة مكلفة ومرهقة، ولم تكن رحلة ابن بطوطة وابن جبير على سبيل المثال سوى رحلة للحج، يقوم بها في هذه الأيام ملايين الناس، ويتذكر جيلي أن الذهاب لتأدية العمرة في الأردن، وربما في جميع الدول العربية والإسلامية، كان في السابق عملاً محدوداً بل ونادراً.
أمور كثيرة تتعلق باستجابات وأفكار، يمكن أن تختفي مثل ما نشأت، وكما كان العالم قائماً بدونها، فإنه يمكن أن يواصل حياته وأعماله مرة أخرى بدونها، إننا ننسى كثيراً إن لم يكن دائماً أن جميع ما لدينا اليوم من مؤسسات وأعمال، لم تكن موجودة قبل فترة وجيزة، متى بدأت المدارس التي ينتظم بها الطلاب كل يوم؟ ومتى أصبح التعليم إلزامياً؟ وكذا الوزارات والمؤسسات والأجهزة والإدارات والأسواق، هي أعمال ومؤسسات برغم ما تبدو عليه من رسوخ وقوة نشأت حديثاً ولم تكن موجودة من قبل، ويمكن أن تستغني عنها الأمم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock