ترجمات

المال للأسلحة بينما الكوكب يحترق

فيجاي براشاد* – (معهد البحوث الاجتماعية) 9/5/2022

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في العام الماضي، تجاوز الإنفاق العسكري العالمي، لأول مرة، حاجز تريليوني دولار. وأنفقت الدول الخمس الأكثر إنفاقاً -الولايات المتحدة، والصين، والهند، والمملكة المتحدة وروسيا- 62 في المائة من هذا المبلغ. وكانت الولايات المتحدة، وحدها، مسؤولة عن 40 في المائة من إجمالي الإنفاق على الأسلحة. في المقال الآتي، يتأمل فيجاي براشاد في إهدار الثروة الاجتماعية باسم الدفاع عن الهيمنة الأميركية.

  • * *
    شهد الشهر الماضي إصدار تقريرين مهمين، لم يحظ أي منهما بالاهتمام الذي يستحقه. في 4 نيسان (أبريل)، نُشر تقرير فريق العمل الحكومي الدولي الثالث المعني بتغير المناخ، والذي أثار رد فعل قويا من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
    قال غوتيريش إن التقرير هو “عبارة عن سلسلة من الوعود المناخية التي نُكث بها. إنه ملف للعار، يصنف التعهدات الفارغة التي تضعنا بثبات على الطريق نحو عالم غير قابل للعيش فيه”. وكانت البلدان المتقدمة قد تعهدت في المؤتمر العالمي للمناخ، COP26، بإنفاق مبلغ متواضع هو 100 مليار دولار تذهب إلى صندوق التكيف لمساعدة البلدان النامية على التكيف مع تداعيات تغير المناخ.
    وفي الأثناء، في 25 نيسان (أبريل)، أصدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) تقريره السنوي أيضاً، ووجد التقرير أن الإنفاق العسكري العالمي تجاوز، لأول مرة، حاجز تريليوني دولار. وأنفقت الدول الخمس الأكثر إنفاقاً -الولايات المتحدة، والصين، والهند، والمملكة المتحدة وروسيا- 62 في المائة من هذا المبلغ. وكانت الولايات المتحدة، وحدها، مسؤولة عن 40 في المائة من إجمالي الإنفاق على الأسلحة.
    ثمة دفق لا نهاية له من الأموال التي تذهب للأسلحة، لكنّ هناك أقل من مبلغ صغير يُخصص لتفادي وقوع كارثة على مستوى كوكب الأرض جميعاً.
    وليس وصف “كارثة” مبالغة. وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش من أننا “نسير على مسار سريع نحو كارثة مناخية… لقد حان الوقت للتوقف عن إحراق كوكبنا”.
    تستند هذه الكلمات إلى الحقائق الواردة في تقرير فريق العمل الثالث. وقد ثبت الآن بقوة في السجل العلمي أن المسؤولية التاريخية عن الدمار الذي لحق ببيئتنا ومناخنا تقع على عاتق أقوى الدول، بقيادة الولايات المتحدة. وهناك القليل من النقاش حول هذه المسؤولية في الماضي البعيد، وهي نتيجة للحرب القاسية ضد الطبيعة التي شنتها قوى الرأسمالية والاستعمار.
    لكن هذه المسؤولية تمتد أيضًا إلى فترتنا الحالية. في 1 نيسان (أبريل)، أظهرت دراسة نُشرت في مجلة لانسيت لصحة الكوكب The Lancet Planetary Health أنه في الفترة من العام 1970 إلى العام 2017، كانت “الدول ذات الدخل المرتفع مسؤولة عن 74 بالمائة من الاستخدام العالمي المفرط للمواد، الذي كان مدفوعًا بشكل أساسي بالولايات المتحدة الأميركية (27 بالمائة)، ودول الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين ذات الدخل المرتفع (25 في المائة)”.
    ويرجع الاستخدام المفرط للمواد في دول شمال الأطلسي إلى استخدام الموارد غير الحيوية (الوقود الأحفوري والمعادن وغير المعدنية). وكانت الصين مسؤولة عن 15 في المائة من فرط استخدام المواد العالمي، بينما تتحمل بقية دول الجنوب 8 في المائة فقط.
    كان الاستخدام المفرط في هذه البلدان منخفضة الدخل مدفوعاً إلى حد كبير باستخدام الموارد الحيوية (الكتلة الحيوية). ويوضح لنا هذا التمييز بين الموارد اللا-أحيائية والحيوية أن الاستخدام المفرط للمواد من الجنوب العالمي يأتي من مصدر متجدد إلى حد كبير، في حين أن مواد دول شمال الأطلسي غير قابلة للتجديد.
    كان ينبغي أن تظهر أخبار هذا التقرير على الصفحات الأولى للصحف في أنحاء العالم كافة، ولا سيما في الجنوب العالمي، وكان ينبغي أن تُناقش نتائجه على نطاق واسع في القنوات التلفزيونية. لكنه مر دون أن يُلحظ تقريباً.
    يثبت التقرير بشكل حاسم أن البلدان ذات الدخل المرتفع في شمال الأطلسي عاكفة على تدمير الكوكب، وأنها في حاجة إلى تغيير أساليبها، وفي حاجة إلى الدفع لمختلف صناديق التكيف والتخفيف لمساعدة البلدان التي لا تخلق المشكلة، وإنما التي تعاني من تأثيرها أكثر من غيرها.
    بعد تقديم البيانات، لاحظ العلماء الذين كتبوا هذه الورقة ما يلي:
    “تتحمل الدول ذات الدخل المرتفع المسؤولية الجسيمة عن الانهيار البيئي العالمي، وبالتالي فهي مدينة بدَين إيكولوجي لبقية العالم. تحتاج هذه الدول إلى أخذ زمام المبادرة بإجراء تخفيضات جذرية في استخدام موادها لتجنب المزيد من التدهور، الأمر الذي سيتطلب على الأرجح تبني مناهج تحوُّلية لما بعد النمو وتراجع النمو”. وهذه أفكار مثيرة للاهتمام: “التخفيضات الجذرية في استخدام الموارد” ثم “نهج لما بعد النمو والتراجع”.
    تشكل دول شمال الأطلسي -بقيادة الولايات المتحدة- أكبر منفق للثروة الاجتماعية على السلاح. وتقول دراسة أجرتها جامعة براون إن البنتاغون -القوات المسلحة الأميركية- “تظل أكبر مستهلك مفرط للنفط، ونتيجة لذلك، تعد أحد أكبر مصادر انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم”.
    لحمل الولايات المتحدة وحلفائها على التوقيع على بروتوكول كيوتو في العام 1997، كان على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة السماح بانبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي يتسبب بها الجيش ليتم استبعادها من التقارير الوطنية عن الانبعاثات.
    يمكن التعبير عن الابتذال الذي تنطوي عليه هذه الأمور بوضوح من خلال المقارنة بين قيمتين للنقود. أولاً، في العام 2019، حسبت الأمم المتحدة أن فجوة التمويل السنوية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بلغت 2.5 تريليون دولار. ومن شأن تحويل تريليوني دولار سنويًا من الإنفاق العسكري العالمي إلى أهداف التنمية المستدامة أن يقطع شوطًا طويلاً نحو التعامل مع الاعتداءات الكبرى على كرامة الإنسان: الجوع، والأمية، والافتقار إلى المسكن، ونقص الرعاية الطبية وما إلى ذلك.
    من المهم هنا ملاحظة أن رقم تريليوني دولار الذي ذكره معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي لا يشمل الهدر الذي لا نهاية له للثروة الاجتماعية التي تعطى لمصنِّعي الأسلحة في القطاع الخاص كثمن لأنظمة الأسلحة. على سبيل المثال، من المتوقع أن يكلف نظام الأسلحة “إف 35” الذي تصنعه شركة مارتن لوكهيد Lockheed Martin F-35 ما يقرب من تريليوني دولار.
    في العام 2021، أنفق العالم أكثر من تريليوني دولار على الحرب، لكنه استثمر -في حساب مفرط في السخاء- 750 مليار دولار فقط في الطاقة النظيفة وكفاءة الطاقة.
    وبلغ إجمالي الاستثمار في البنية التحتية للطاقة في العام نحو 1.9 تريليون دولار، لكن الجزء الأكبر من هذا الاستثمار ذهب إلى الوقود الأحفوري (النفط والغاز الطبيعي والفحم). ولذلك، تستمر الاستثمارات في الوقود الأحفوري وتزداد الاستثمارات في الأسلحة، بينما تظل الاستثمارات المخصصة للانتقال إلى أشكال جديدة من الطاقة النظيفة غير كافية.
    في 28 نسيان (أبريل)، طلب الرئيس الأميركي جو بايدن من الكونغرس الأميركي تقديم 33 مليار دولار لأنظمة الأسلحة ليتم إرسالها إلى أوكرانيا. وتأتي الدعوة للحصول على هذه الأموال بالتوازي مع تصريحات ساخنة أدلى بها وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، الذي قال إن الولايات المتحدة لا تحاول إخراج القوات الروسية من أوكرانيا، وإنما تعمل “لرؤية روسيا وقد تم إضعافها”.
    ولا ينبغي أن يكون تعليق أوستن مفاجأة. إنه يعكس سياسة الولايات المتحدة منذ العام 2018، والتي كانت تمنع الصين وروسيا من أن تصبحا “قريبتين من أن تكونا ندّين”. ليست حقوق الإنسان هي الشاغل؛ وإنما ينصب التركيز على الحيلولة دون صعود أي تحد لهيمنة الولايات المتحدة. ولهذا السبب، يتم إهدار الثروة الاجتماعية على الأسلحة ولا تستخدم لمعالجة المعضلات التي تواجهها الإنسانية.
    لنأخذ في الاعتبار الطريقة التي ردت بها الولايات المتحدة على صفقة أبرمت بين جزر سليمان والصين، الجارتين.
    قال رئيس وزراء جزر سليمان، ماناسيه سوغافاري، إن هذه الصفقة تهدف إلى تعزيز التعاون التجاري والإنساني، وليس عسكرة المحيط الهادئ.
    وفي اليوم الذي ألقى فيه رئيس الوزراء سوغافاري خطابه، وصل وفد أميركي رفيع المستوى إلى عاصمة البلاد، هونيارا، وأخبروا رئيس الوزراء، سوغافاري، بأنه إذا أقام الصينيون أي نوع من “المنشآت العسكرية” في بلده، فإن الولايات المتحدة “ستكون لديها عندئذ مخاوف كبيرة وسترد وفقًا لذلك”. وكانت هذه تهديدات واضحة.
    وبعد أيام قليلة، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، وانغ وينبين:
    “الدول الجزُرية في جنوب المحيط الهادئ هي دول مستقلة وذات سيادة، وليست فناء خلفيا للولايات المتحدة أو أستراليا. إن محاولاتهما لإحياء عقيدة مونرو في منطقة جنوب المحيط الهادئ لن تحصل على أي دعم ولن تؤدي إلى أي مكان”.
    ولدى جزر سليمان ذاكرة طويلة من تاريخ الاستعمار الأسترالي-البريطاني والندوب التي خلفتها اختبارات القنابل الذرية. وقد أدت ممارسة “الطيور السوداء” إلى اختطاف الآلاف من سكان جزر سليمان للعمل في حقول قصب السكر في كوينزلاند، أستراليا، في القرن التاسع عشر، ما أدى في النهاية إلى تمرد كوايو في العام 1927 في مالايتا.
    وقد كافحت جزر سليمان بشدة ضد التسلح، وصوتت في العام 2016 مع العالم لحظر الأسلحة النووية. والرغبة في أن تكون “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة أو أستراليا ليست موجودة. كان هذا واضحًا في القصيدة التنويرية “علامات السلام” (1974) للكاتب من جزر سليمان سيليستين كولاغو:

نبتةُ فِطر تنبت من
جزيرة مرجانية قاحلة في المحيط الهادئ
وتتبدد في الفضاء
تاركة محض بقايا للقوة
التي من أجل وهم
السلام والأمن
يتشبث بها الإنسان.
في هدأة الصباح المبكر
اليوم الثالث بعد
أن وجد الحب الفرح،
في القبر الفارغ
صليب العار الخشبي
تحوّل إلى رمز
لخدمة الحب
سلام.
في حرارة هدأة العصر
علم الأمم المتحدة يرفُّ
محجوباً باليافطات الوطنية
وتحته
يجلس الرجال بقبضات مشدودة
يوقعون معاهدات السلام.

*فيجاي براشاد Vijay Prashad، مؤرخ وصحفي ومعلق هندي، وهو المدير التنفيذي لمعهد القارات الثلاث للأبحاث الاجتماعية، Tricontinental: Institute for Social Research ورئيس تحرير كتب اليسار العالمي Left Word Books.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Money for Weapons as the Planet Burns

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock