أفكار ومواقفرأي اقتصادي

المبادرة الوطنية للتأهيل والتشغيل

تم إنشاء الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب، كشركة خاصة غير ربحية، منذ نحو 12 عاماً، وتم تعهيد إدارتها في حينه إلى القوات المسلحة، كما عقدت الشركة اتفاقية شراكة استراتيجية مع مؤسسة التدريب المهني، بتملك 49 % من أسهم الشركة، وبحيث تستخدم الشركة نحو 44 مركز تدريب مهنيا منتشرة حول المملكة وتابعة للمؤسسة. الشركة التي عملت بجهد كبير، وخاصة أنها خضعت لإدارة حازمة من القوات المسلحة، أنجزت في مجالات التدريب والتأهيل وخرَّجت العديد من الدفعات، في مجالات متعددة. وبالرغم من النقد حول نوعية الخريج أحياناً، وحول ارتفاع كُلَف التدريب، وكُلَف إدارة الشركة، أحياناً أخرى، بيد أن المشروع بحد ذاته على درجة عالية من الأهمية، ما يستدعي إعادة إحيائه، أو إعادة تنشيطه بشكل مختلف اليوم. قناعتي اليوم أن نلجأ إلى تكليف الشركة، وضمن إدارة مشتركة مع القطاع الخاص، بما يمكن تسميته “المبادرة الوطنية للتأهيل والتشغيل”، على أن يكون من أهم أهداف تلك المبادرة إعادة تأهيل الشباب كافة الراغبين في العمل ضمن التخصصات المتوافرة في مرافق القطاع العام، وتلك التي يمكن توفيرها في مؤسسات القطاع الخاص، سواء أكانت المرافق التجارية أم مؤسسات المجتمع المدني.
وتقوم المبادرة على تسجيل المهتمين كافة من الشباب، من الجنسين، بالعمل في المجالات المختلفة، وذلك ضمن قاعدة بيانات، أو مرصد وطني للموارد البشرية المتاحة، شريطة البدء بمن ليس لديه وظيفة. وبالمقابل مخاطبة جميع الجهات العامة والخاصة لتسجيل احتياجاتها من العمالة، بمستوياتها كافة، من العمالة المهنية والفنية العالية، إلى العمالة اللوجستية ذات الخدمات المساندة بأشكالها كافة. ويندرج ضمن ذلك وظائف دائمة أو مؤقتة في المجالات المختلفة، الهندسية، والطبية، وحتى القانونية، والمدرسين البدلاء، وموظفي الخدمات اللوجستية، والمساندة، في مجالات الصيانة، والنظافة، وتنظيم الحدائق، والضيافة، وغيرها.
على أن يتم تزويد الشركة، أو المبادرة، ليس فقط بالشواغر بل وبالعمالة الوافدة القائمة بالمهام في المؤسسات الوطنية، وقد نستغرب أن نجد ضمن الخدمات المساندة في وزارات الدولة ومؤسساتها كافة عمالة وافدة، تصل إلى عدد كبير نسبياً. وضمن ذلك المرصد وتلك البيانات، تقوم الشركة بتحديد حجم الاحتياج، ونوعيته، وأماكنه في المحافظات المختلفة، ومن ثم تقوم بفرز الكفاءات التي لديها من الشباب المسجلين، وتحدد الفجوة المطلوبة للتأهيل في تلك المجالات. على أن تنخرط الشركة بتأهيل تلك الموارد لسد الفجوة، عبر التدريب النوعي والتأهيل الانضباطي المهني عالي الجودة، تحت إشراف القوات المسلحة، التي هي عماد الانضباط والتأهيل، وأثبتت جاهزية وقدرة عالية على ذلك على مدى التاريخ. وتكون المنهجية بتعيين الشباب والفتيات كافة المطلوبين للوظائف المتاحة في الشركة الوطنية، بوظائف مستقرة، على نسق الوظائف المدنية في القوات المسحلة، وضمن انضباطية عالية، تؤدي إلى فقدان الوظيفة في حال التقصير أو العقاب المناسب من قِبَل الشركة في حال عدم القيام بالواجبات، أو الإخلال بمتطلبات الوظيفة، وتقوم أيضاً على مكافأة كل من يُحسن التصرف، ويلتزم بالوظيفة، ويقدم مبادرات، ويجتهد في العمل. هذا المشروع سيغطي، من وجهة نظري، جميع الشباب العاطلين عن العمل اليوم، وسيجعلهم جزءاً فاعلاً في المجتمع. ولعل أهم متطلبات نجاح المشروع يكمن في ثلاثة محاور؛ الأول، صرف رواتب شهرية مناسبة لا تقل عن 400 دينار للفرد الواحد، مع تحمل الشركة جزءاً من ذلك الراتب خلال السنوات الثلاث الأولى، وذلك من موراد صندوق التدريب المهني المعروف للجميع. الثاني، التأهيل السليم بعد حصر الوظائف المطلوبة، وعلى يد مدربين مميزين من القطاعين الخاص والعام، وتحت إشراف القوات المسلحة، وبانضباطية عالية لا مهادنة فيها، ودفع نصف الراتب خلال فترة التدريب. المحور الثالث، الرقابة الصارمة على أداء الشباب، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب بشكل حازم، حتى لا يبقى مفهوم “من دخل بيت أبي سفيان” هو المسيطر على ذهن الشباب في العمل.
وأخيراً، يجب على الجميع التعاون في ذلك، وهنا ستكون الشركة هي المزود الأساس للوظائف كافة التي يتم تعهيدها للآخرين، سواء أكانت وظائف دائمة أم مؤقتة، وسواء أكانت وظائف فنية عالية، أم وظائف مساندة لا تتطلب مهارات أو تأهيلاً علمياً. هذه المبادرة إن أخذت مأخذ الجد، فستكون المخرج الرئيس للتعامل مع قضية البطالة المزمنة على مدار العقود الثلاثة الماضية، بيد أن الفكرة تحتاج إلى تطوير شامل، ولن تفيها هذه العجالة حقها، وأتمنى أن يتم دراستها بشكل شمولي من قِبَل الجهات المختصة في الحكومة، وبمشاركة أصحاب الرأي والاختصاص من الحكومة، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock