أفكار ومواقف

المتماهون مع الصهيونية

«لستَ في حاجة إلى أن تكون يهوديًا كي تكون صهيونيًا». هذه هي العبارة التي برر بها الرئيس الأميركي جو بايدن انتماءة للصهيونية كمشروع نرى تجسده وتجلياته في الكيان الصهيوني. والعبارة صحيحة منطقياً.

فالصهيونية ليست ديناً، وإنما هي فكرة وأيديولوجية ومشروع استعماري. ولذلك، تجد موالين وأنصاراً ومتواطئين معها من العرب والعجم، والمسلمين والمسيحيين وأتباع أي دين. ولكن، ما هي الصهيونية؟ وماذا يعني الانتماء إليها، عملياً وأخلاقياً؟


تقول موسوعة «ويكيبيديا» بعد التعريف بأصول الحركة: «يرى أنصار الصهيونية أنها حركة تحرير وطنية لإعادة شعب مضطهد مقيم كأقليات في مجموعة متنوعة من الدول إلى وطن أجداده.

بينما يرى منتقدو الصهيونية أنها أيديولوجية استعمارية عنصرية واستثنائية قادت أتباعها إلى استخدام العنف خلال الانتداب البريطاني على فلسطين، وتسببت في نزوح الكثير من الفلسطينيين، ثم إنكار حقهم في العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم المفقودة خلال حربي 1948 و1967».


بغض النظر عن الجزء الخاص بـ»حركة تحرير وطنية» التي تعني تحرير «إسرائيل» من «المحتلين العرب» وكل المغالطات التاريخية والمنطقية والعملية التي ينطوي عليها هذا الادعاء، هل يشك أحد في الطبيعة الاستعمارية والعنصرية والاستثنائية والوحشية للمشروع الاستيطاني-الاستعماري الصهيوني في فلسطين؟ من حيث القانون الدولي، ثمة اعتراف قانوني أممي بالاحتلال غير المشروع لجزء من فلسطين التاريخية على الأقل.

ومن حيث التعريف، ثمة اعتراف متزايد بأن النظام القائم بين البحر والنهر في فلسطين هو نظام أبارتيد مرفوض إنسانياً وأخلاقياً. ومع ذلك، هناك من يعلن بلا خجل تماهيه مع مشروع هذه سماته وتبريراته وتجلياته وتصرفاته. وثمة الذين يوافق عليه ويشرعنه ويتعامل معه!


وحتى ما يُدعى «اليسار الصهيوني»، الذي يُنظر إليه ويعرف نفسه على أنه الطرف التقدمي من الحركة، يكتب عنه جدعون ليفي: «نحن مدينون بالكثير لليسار الإسرائيلي، اليسار الصهيوني، الذي يشكل الأغلبية -كل اليسار الإسرائيلي تقريبًا صهيوني- لإدامته كل هذه الفترة الطويلة من الجرائم والاحتلال».

ويكتب أيضاً: «الصهيونية هي الدين الحقيقي لإسرائيل… لا يمكنك أن تكون في إسرائيل وأن تكون غير صهيوني… إذا لم تكن صهيونيا فأنت خائن».


الصهيونية، بأي معنى، هي حركة مشروعها إلغاء شعب كامل وتجريده من إنسانيته ووطنه وتاريخه وحياته لحساب أتباع دين، ليسوا شعباً، ولا يربطهم شيء حقيقي بالأرض التي يستعمرونها.

وهي بكل معيار مشروع إقصائي غير إنساني وعنيف ووحشي، كما هي متجسدة في الكيان الصهيوني في فلسطين. ويعني تماهي قادة الولايات المتحدة مع الصهيونية، كفكرة وتطبيق، أنهم لا يصلحون، أخلاقياً ولا عملياً، ليكونوا وسطاء في حل القضية الفلسطينية بأي قدر من العدالة.


كان أحد أخطاء حركة التحرر الوطني الفلسطينية أنها راهنت –وما تزال- على وساطة الولايات المتحدة. وربما ينطلق ذلك من فكرة أن هذه الدولة هي التي تملك كل المفاتيح.

وهي تملكها حقاً، لكنها لم تفصح في أي وقت عن رغبة في تحكيم القيم والقانون والمنطق التاريخي في تعاملها مع الفلسطينيين. ولذلك، لن يحصل الفلسطينيون على أي شيء من التعويل على عدو صريح لحريتهم. والواضح دائماً أن الفلسطينيين لا يحاربون ما تدعى «إسرائيل» وإنما يحاربون الولايات المتحدة نفسها التي خلفت المستعمرين البريطانيين في إذلالهم وتحطيمهم.


ثمة ما تُسمى «القيم المشتركة»، و»الرابطة غير القابلة للفصم» بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة. و»القيم المشتركة» و»الروابط» حقيقة: كلاهما مشروع استعماري استيطاني هدفه إلغاء شعب والاستيلاء على مصيره وأرضه وهويته وتاريخه.

وكلاهما تسميان «ديمقراطية»، بينما هما في الممارسة قوى قمع وحرب لا تهدأ على الحريات والحق في تقرير المصير. وهما متكاملان، لأن الكيان الصهيوني هو بالتعريف والوظيفة، شرطي الولايات المتحدة وقاعدتها الإمبريالية المتقدمة في الشرق الأوسط.


يقترح جدعون ليفي أن الأمل الوحيد في تحقيق بعض العدالة في فلسطين هو إنهاء الصهيونية: «عليك أن تنفصل عن الصهيونية، لا توجد طريقة أخرى، وهم بعيدون كل البعد عن فعل ذلك». والصعوبة واضحة من حقيقة أن كل يهودي في إسرائيل صهيوني، وفي أن الحكَم صهيوني.

ولذلك، يجب أن يدرك الفلسطينيون أنه لا حل سيأتي من الولايات المتحدة أولاً، وأن السلام لن يجلبه إدراك متأخر من الصهاينة بالعدالة. إن الذي يحسم الصراع هو الوقائع التي يصنعها العدو بالقوة. وهو يملي حقيقة أن ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.

المقال السابق للكاتب

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock