أفكار ومواقف

المثاقفة بين العرب والأميركيين

 أموال العرب وعوائدهم الريعية الهائلة وعقولهم المهاجرة وآثارهم ومخطوطاتهم المنتشرة في المتاحف الأميركية لم تؤسس لحالة فهم موضوعي أو على الأقل الحد الأدنى من المعرفة بأحوال العرب قبل قضاياهم، وهذا ليس بالاكتشاف الجديد، ولكن ما يحتاج لفت الانتباه له ان السياسة أكلت كل شيء في حياة العرب وعلاقاتهم المعاصرة ورؤية الآخرين لهم.


لو تجولت في أي متجر لبيع الكتب في المدن الأميركية هذه الأيام، ماذا ستجد في أركان العلوم السياسة والشؤون الدولية والتاريخ ، أكثر الكتب المعروضة اليوم هناك تتحدث عن الإرهاب والجهاد وقضايا العرب والمسلمين، فلقد راكم الغرب معرفة حول العالمين العربي والإسلامي خلال سبع سنوات مضت ربما أكثر من كل ما صدر خلال القرن العشرين، ولكن العبرة في مضمون وموضوعات هذه المعرفة واتجاهاتها. 


 تبدو الحاجة اليوم لحوار ثقافي وحضاري عربي أميركي على درجة عالية من الأهمية، والمقصود هنا حوار النخب المثقفة وقادة الرأي والمؤسسات الأكاديمية والأهلية والمدنية، بعيدا عن حوار المؤسسات والنخب السياسية، وبعيدا عن مبادرات العلاقات العامة الدولية والدبلوماسية العامة التي نشطتها الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، الحاجة بالتحديد الى مبادرات عربية تستثمر موجة العوائد النفطية الهائلة في تبني مشاريع وبناء مؤسسات تخاطب النخب وقادة الرأي وصناع الرأي العام، مبادرات ندية تحاكي موجة مبادرات العلاقات العامة الأميركية.


ثمة فرص للتغير وإعادة التكيف في السياسة الأميركية لم تحسم اتجاهاتها بعد، ورغبة داخلية في التغيير، وأسئلة كبيرة، حول مصادر وجذور الصداع والقلق المزمنين في الشرق الأوسط، هناك حاجة ملحة لاستثمار هذه الأوضاع، فهناك آخرون قدموا إجاباتهم منذ زمن عن كل هذه الأسئلة، وهم على استعداد ان يجيبوا بدلا منا أيضا.


كان أول اتصال حضاري بين العرب والأميركيين قد قام به التجار العمانيون، لقد ذهب العرب إلى البلاد الجديدة قبل أن تأتيهم، وأول معاهدة اقتصادية بين الولايات المتحدة وبلد عربي كانت مع العمانيين عام 1833 وأول سفينة تجارية عربية أبحرت عبر الأطلسي باتجاه أميركا قادها العُماني احمد بن النعمان الذي مازالت قاعة مدينة نيويورك تعرض لوحة زيتية له، في حين كان القرن التاسع عشر قد شهد بدايات الاتصال الأميركي بالمجتمعات العربية آنذاك على شكل إرساليات تبشيرية تأخذ طابع المؤسسات التعليمية والخيرية، ومن بينها الكلية السورية البروتستانتية التي أنشئت في بيروت عام 1863، وتحولت فيما بعد إلى الجامعة الأميركية التي تعد واحدا من ابرز صروح التعليم العالي في العالم العربي المعاصر.


كان الحجاج والمبشرون والرحالة الأميركان في نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين يختلفون في نظر العرب آنذاك عن الحجاج والرحالة الغربيين الذين عادة ما وسموا بأنهم كفار أو تجار آثار يريدون أن يسرقوا كنوز الشرق، بينما كان الحجاج والرحالة الأميركيون يحملون معهم الهدايا والعطايا والمنح للسكان المحليين بغض النظر عن أديانهم، وهم الذين رأوا أولئك القادمين من البلاد البعيدة بانبهار ودهشة وكأنهم ملائكة يقذف بهم الأطلسي من بلاد ترصف شوارعها بالذهب، كان للأميركيين وحدهم في عام 1882 ما يزيد على (130) مدرسة متفرقـة في أنحاء سورية ولبنان، وهو ما يساوي أو يفوق عدد المدارس والإرساليات لكل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا معاً.


  ومن المفارقات الأخرى، ان أول كتاب صـدر في الولايات المتحدة عن المهاجريـن العرب في عام 1904 وضعـه مؤلف أميركي يدعى (لوسيوس ميلر) وعنوانه (السوريون في نيويورك العظمى) يصف العرب بالوداعـة والهدوء والسلام الاجتماعي موضحاً بأنه رغم ان أحياءهم وشوارعهم مكتظـة فلم يسمع الأميركيون صوتهم ولم يحسوا بوجودهم، حيث لم ترتكب في أوساطهم جرائم تذكر كما حدث مع عناصر مهاجرة أخرى، ومع هذا لم يخلص المهاجرون العرب الأوائل من المحددات الثقافيـة والحضاريـة التي نقلها الأوروبيـون معهم وأسهمت في تشويـه صـورة العرب، وبالتحديد الهجمـة التي تعرض لها الإسلام والمسلمون في نهايـة القرن التاسع عشر بفعل السياسات العثمانيـة التي صبغت كل ما كان يتردد حول الأتراك على العرب، وبلغ الأمر بالرئيس الأميركي روزفلت خلال زيارته لمصر، وهي أول زيـارة في التاريخ لرئيس أميركي لبلد عربي عام 1910م اتهام العرب بالتعصب وطالب المصريين بالاستسلام والرضا باحتلال البريطانيين، على اعتبار إنهم لم يصلوا بعد إلى الدرجـة التي تخولهم حكم أنفسهم، وبعد ذلك نجد ان كاتبا أميركيا من أصول عربية يدعى (ابراهام متر) وضع كتاباً في عام 1919 بالإنجليزية تحت عنوان (أميركا أنقذي الشرق الأوسط).


قليلا ما نسمع عن مستوى حالة التثاقف بين العرب والأمييركيين، وقليلا ما نقرأ أو نسمع عن جذور العلاقات الحضارية والثقافية بين كتلتين بشريتين تتقاربان في العدد وتختلفان في التاريخ، وتلتقيان أحيانا وتتباعدان أحياناً أخرى في بعض مصادر الثقافة وقيمها، وهما اليوم من يملأ العالم بصخب الصراع، وهما الأكثر قدرة على نشر اشد المشاعر إثارة، ولا يتورعان عن استخدام كافـة أدوات الصراع، وفي نفس الوقت المتاح من أدوات الحوار، وعلى الأرض الأميركية مارس العرب أول اختراق أمني في تاريخ الولايات المتحدة، وعلى الأرض العربية مارست الولايات المتحدة أول احتلالاتها المباشرة بعد انتهاء الحرب الباردة، وعلى الأرض العربية ما يزال أطول احتلال وآخر استعمار قائم في العالم بدعم وإرادة أميركية.

تعليق واحد

  1. الاستثمار في ثقافة فهم الآخر
    ان ما يحتاجه العالم العربي اليوم هو ليس تكديس السلاح والذخائر ، ان ما يحتاجه هو تجميع الجهود المشتته وخلق قوى ضاغطة تنافس اللوبيات الموجودة خصوصاً في امريكالترميم ما شوهته آلة الاعلام الغربية لصورة الانسان العربي والمسلم بشكل عام.
    لا شك أن هذا الموضوع لن يكون ولن يتحقق بسرعة وانما ببطء لأن هناك مفاهيم راسخة تحتاج ربما لعقود من أجل إثبات العكس وبالتالي تحسين صورة الانسان العربي. ولكن بالمقابل حالة المثاقفة التي يدعو اليها الكاتب يجب أن تبدأ من خلال الاعلام الغربي والأمريكي كونه هو المحرك الكبير لهذه الحالة بكل تحمله من تشويه وصورة غير حقيقية عن الانسان العربي المكلوم.

  2. العلاقة بين العرب والغرب
    اؤيد كل ما ذكرته واضيف انه العرب فشلوا في تقديم انفسهم مما سبب عائق كبير في فهمهم لنا نحن العرب وهذا اضر العرب بشكل كبير والمقيم في الغرب يشعر بذلك جيداويتعرض لعداء واحيانا حصار نفسشي بانك عربي

  3. لن نلتقي
    اصبحت المسافات بعيدة بين الغرب والشرق ولن نلتق لاننا قد وصلنا معهم لطريق مسدود وحوار الحضارت كله كلام فاضي

  4. لا تثاقف خارج الصراع
    الانظمة العربية لا تسمح باي تثاقف او اتصال الا من خلالها ولن تسمح باي علاقة خارج اشرافها، ولا يظن احد انه قادر على ذلك لسبب منطقي اخر وهو ان الادارات الامريكية ايضا لن تسمح باي استجابه ممكنة ايضا من شعبها تشكل ما يسمى تثاقفا محتملا مع الشعوب العربية في اطار حالة تثاقف طبيعي وهذا يعني ان اي عملية اتصال او تبادل لن يسمح بها طالما انها تاتي خارج اطار سيطرة النظم الحاكمة ان عربيا او اميركيا… ولكل شيخ طريقه

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock