أفكار ومواقف

المثقف والمكان

نظمت وزارة الثقافة مشكورة في الأسبوع الماضي مخيما إبداعيا لمجموعة من المثقفين الأردنيين والعرب من الكتاب والأدباء والفنانين، من أجل تشجيع حالة من التواصل بين المثقف والمكان تتيح له معايشة الناس والأمكنة والمعالم الطبيعية والتاريخية والحضارية والتعرف عليها والتعريف بها أيضا على نحو جديد وبرؤى متعددة، فالثقافة والإبداع ابتداء هي تعبير عن تفاعل الناس والمجتمعات مع المكان.


وما بين المكان وبين الإصلاح والتنمية والإبداع والانتماء والمشاركة تقوم متوالية من البرامج والمواقف والأفكار، فالمكان يصوغ أفكارنا ومشروعاتنا وخططنا، وتحكمنا البيئة المحيطة والتي يشكل المكان أغلبها في الاختيار والتفكير والمزاج والانغلاق والانفتاح والرهان الدائم على المستقبل والتاريخ (المدن) أو الانتظار الدائم للغد الذي لا يأتي. فكل الأيام حين تأتي لا تعود غدا، ويمر بلا غدها الأبد، ولا يبدو المكان فيه سوى واحة لمواصلة البحث الدائم عن جديد لا يمكن تحصيله، فكل ما تحصل عليه يتحول فورا إلى قديم، ويبقى ثمة جديد غيره (البادية والبدو) وفي الحالتين من الإبداع والإنجاز متوالية لا تتوقف أبدا.


والانتماء يقوم على المكان، فالمواطنة والجنسية هي عقد اجتماعي ينشأ مع المكان، وليس الدين أو الإثنية، ففي المدينة المنورة عندما قام المجتمع “الإسلامي” بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، سميت يثرب “المدينة” إشارة إلى أساس التجمع والعلاقة، وهو المدينة، بما تعنيه من مكان وعلاقات وتقاليد، فهي ليست بادية أو قبائل أو تجمعات من المسلمين فقط، وكانت وثيقة المدينة التي أسست للمجتمع والدولة تشمل جميع أهل المدينة، المسلمين والمشركين واليهود، وحددت لهم واجبات وحقوقا بحكم كونهم جزءا من المدينة، وأما المسلمون الذين لم يهاجروا إلى المدينة فهم ليسوا مشمولين بهذا العقد ولا تترتب عليهم التزامات ولا يتمتعون بحقوق أهل المدينة.


وما يقلق العالم اليوم المتقدم والمتخلف من تنظيم وتشريع عمليات الهجرة والإقامة تحركه فلسفة المكان والتزاماتها، فالهجرة تنشئ التزامات ليست مكتوبة ولا يوقع على الالتزام بها لكن الإخلال بها ينشئ التوتر والأزمات والانقسامات، فقد يستطيع المهاجر أن ينطوي على نفسه وأهل ملته وقومه، لكنه يخرق المبدأ الذي هاجر وفقه والتزم به مع الدولة التي هاجر إليها، ويضر أيضا بنفسه وعائلته، فالانتماء والمشاركة حاجة قصوى للإنسان، لأنه إن لم يشعر بانتمائه للمجتمع والمكان الذي يعيش فيه ولم يشارك الناس حياتهم وقضاياهم وشؤونهم فإنه يتحول مع أسرته إلى كائن معزول مقتلع يعاني من التشوه والكراهية، كراهيته للآخرين وكراهية الآخرين له، وعلى المدى المتوسط من الزمن فإنه يتحول إلى هامشي يحرم أولاده وهو محروم ابتداء من فرص النمو الصحيح والتفوق والتنافس على الفرص والتكوين الصحيح للشخصية والقدرة على القيادة والعمل مع الآخرين والمشاركة معهم في الشؤون الضرورية والمهمة كالتعليم مثلا والانتخابات البلدية والنقابية والنيابية.


ثمة تناقض كبير بين الهجرة والانغلاق والعزلة، فالهجرة انفتاح على الأمكنة والناس والتجارب، وبالضرورة فإن ذلك يعني المشاركة والانتماء، ومن عجب أن يكون المرء يرفض المشاركة ويسعى للهجرة، فهو بذلك يناقض نفسه، كمن يذهب إلى السوبر ماركت ويفتش في رفوفه ويسأل العاملين بإلحاح عن كتاب “رأس المال” لماركس أو مخطوطة تاريخية علمية، أو يذهب إلى المتحف محاولا شراء الشوكولا.


ثمة اتجاه غير واع تحكمه العصبية والانحياز الموجود لدى الناس جميعا، ولكن يجب ملاحظة أنه كذلك وليس من الدين، ومحاولة تغطية البداوة والتعصب والتقاليد البدائية بالدين هي القضية التي يجب مجادلتها ودحضها.


هل كانت المقالة عن المخيم الإبداعي؟ نعم، إنه التجربة الثامنة للوزارة، ولا بد من القول إن فريق الوزارة، عبد الكريم الجراح، وزيدون المجالي، وانتصار عباس، وأبو جمال، وأبو زعل وأرجو أن يعذراني إن لم أعرف أسميهما بذلوا من الجهد الشخصي غير المطلوب منهم ابتداء لإنجاح الفكرة ومساعدة المشاركين مدفوعين بتقاليد المكان من الضيافة والالتزام أكثر من تقاليد الوظيفة والعمل على النحو الذي جعل المخيم تجربة جميلة أضافت الكثير.


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock