أفكار ومواقف

المجال العام والمجال الخاص

من مؤشرات التفاؤل المحدودة بشأن الأحوال العربية الراهنة على مستوى المجتمعات، الانتقال نحو نقاشات أكثر عمقا في فهم حالة الفوات والتأخر وإنتاج الاستبداد. هذا العمق بات يذهب نحو مداخل متعددة، تُخرج أزمة العالم العربي المعاصرة من النظرة الأحادية والانغلاق، على الرغم من أن كثيرا من العناوين ماتزال غير واضحة.
إن العديد من أسباب السجالات الحادة، والكثير من حالات الانغلاق والاستقطاب الحاد التي تخيم على النقاش العام هذه الأيام، تعود إلى عدم القدرة على التمييز بين المجال العام والمجال الخاص، وعدم التوافق على ما الذي يدخل في حيز هذا المجال أو حيز المجال الآخر. ولعل أبرز مصادر هذا التأزيم الثقافي عدم القدرة على تحديد موقع الدين؛ هل هو في المجال العام أم في المجال الخاص.
المجال العام يعني الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يتفاعل فيه الأفراد والجماعات، وفيه يتجسد الفعل الاجتماعي، ويتفاعل الناس من خلال أدوات الاتصال، وعنوانه وغايته الصالح العام. وهو مساحة عامة للتفاعل تمتد من حدود الدولة إلى دور الفرد في الشأن العام. ويستوعب هذا المجال المؤسسات السياسية غير حكومية، والمؤسسات والمنظمات الأهلية، والجماعات الضاغطة والمؤثرة، والنخب، والكتل الاجتماعية والسياسية والثقافية، والجماعات غير المنظمة؛ كما يشتمل المساحات والفضاءات التي تستوعب التفاعلات المعنية بالشأن العام، من أندية وساحات عامة وطرق وحدائق عامة، وحتى وسائل النقل العامة. في المقابل، فإن المجال الخاص هو المجال الاجتماعي والثقافي الممتد من الفرد إلى العائلة في بعض تعريفاته، وهو يستوعب التفاعلات المرتبطة بالأفراد والعائلات المعنية بالشأن الخاص.
هنا تبدو الإشكالية الحقيقية في عدم قدرة المجتمعات العربية على التوافق بشأن تعريف القيم الأساسية وموقعها من المجالين، نظرا لعدم قدرة هذه المجتمعات على وضع الدين في موقعه الحقيقي في المجال الخاص للفرد والعائلة. وهو الأمر الذي يجعل الدين يدخل في نزاع يومي مع القيم والممارسات اليومية في المجال العام، وهي ممارسات نسبية وغير معيارية. بل نجد بعض الفئات الاجتماعية تسمح لنفسها، وبمبرر ديني، أن تتدخل في المجال الخاص للآخرين، أو أن تفرض تفسيرها للدين على المجال العام. فالحرية والمشاركة والتعددية، هي قيم أساسية في تنظيم المجال العام. وعلى سبيل المثال، فإن الفصل بين المجالين يتيح للأفراد المتدينين أن يمارسوا معتقداتهم كما يشاؤون في أماكن العبادة وفي حدود العائلة، أي المجال الخاص، وعلى الدولة حماية هذه الحرية؛ كما هي الحال في حرية الرجال والنساء في ارتداء ما يشاؤون على شاطئ البحر، وعلى الدولة أيضا حماية هذه الحرية.
التطور الاجتماعي للمجتمعات هو الذي يحدد طبيعة القيم السائدة في كل المجال، وبالتحديد الحرية. وعادة ما تتدخل الدولة في تحديد معايير وحدود الحرية والممارسات في المجال العام. بخلاف ذلك، يوصف المجال الخاص بقدسية وبخطوط حمراء يُمنع على الآخرين وعلى الدولة التدخل فيها. إن الحرية في المجال الخاص لها وقع خاص وقدسية، وهو ما يليق بمكانة الدين. ولكن عبر محطات طويلة من التاريخ، تم الزج بالدين في المجال العام بفعل السياسة والسياسيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. وكأنك تداويها بالتي هي الداء
    استغرب ذلك الفصل وكأن الثقافة والراي والتربية والتعليم والسلوكيات والقيم والعقيدة يحددها الزمان والمكان ؟؟ وهي المجتمعة بكل صنوفها كرافع لتشكيل الأمم وبناء الذات؟؟ والتي على ضؤها يتم القراءة لمخرجاتها وعلى ضؤ ذلك يتم اخراج القوانين والنظم المتوائمة معها حتى لايكون هناك صدام للمعايير؟؟؟ وسؤالي استاذ باسم كيف لطفل تحمله افكار بيتية ويخرج للفضاء الذي اشرت ويلاقي النقيض منها؟؟ والأديان بتعددها هي صنع الخالق وان جاءت لمتابعة التطور الحياتي وفق رؤية الخالق ومسلسله الكفيل بخلقه وختمها بالإسلام دون المساس بالكتب والديانات التي سبقت؟حيث اخرجت البشرية من الظلمات الى النور ومن الجهل الى العلم والأهم انه وضع تشريع ناظم للبشرية جمعاء دون تمييز في الشكل والمنطقة والجغرافية ؟؟كميزان يقاس عليه منزوع الهوى المصلحي والرغبة الذاتية كباقي النظريات الدنيوية بعد ان حدد الخير والشر واعطى الحرية للشخص والعقل ليتدبر دون اكراه في البيت اوالمدرسة اوفي المجتمع او على الأرض اوفي السماء""يا معشرالجن والإنس اناستطعتم ان تنفذوا من اقطار السموات والأرض فأنفذوا لاتنفذون الإ بسلطان" ومن دليل الحرية والمساواة" "لافرق بين عربي وعجمي الإ بالتقوى" واختم ناصحا ان القارئ لمايجري من صدام محملا الدين هو خلط بين حقيقة واهميةالدين والممارس المخطئ ؟؟ ل اعادة القراءة ثانية؟؟

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock