ترجمات

المجتمع التركي الحر يختفي في تابوت حجري

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يافوز بايدار – (ذا أراب ويكلي) 9/12/2018

لطالما كانت تركيا ساحة معركة سياسية، كما يؤكد تاريخها الحديث. وعلى مدى أكثر من قرن من الزمان، اتبعت السياسة التركية نمطا من الصراع على السلطة، حيث تحاول مجموعة اجتماعية واحدة قمع المجموعات الأخرى، بل وربما حتى القضاء عليها سياسيا.
كان هذا هو الطريق المتصوّر لـ”التقدم السياسي” في هذا البلد منذ زمن طويل، حيث تعمل كوادر حزب ناجح على توطيد التحالفات داخل البيروقراطية، من دون أن تترك أي مساحة للتنافس الديمقراطي. وكان على المجموعات الاجتماعية غير الناجحة أن تعاني من تبعات الحكم الاستبدادي. وكانت المصاعب التي تواجهها الجماهير المعارضة وقادتها منذ فترة طويلة عنصرا ثابتاً في الحياة السياسية التركية.
شكلت السنوات الخمس الماضية أو نحو ذلك تتويجا لعملية شاملة واسعة النطاق، والتي هدفت إلى الاستيلاء على السلطة. وتم في العملية استخدام آليات مثل قوات إنفاذ القانون والسلطة القضائية لقمع بعض الجماعات التي تم إعلانها كأعداء داخليين.
في هذه السنوات، كانت المجموعتان اللتان تعرضتا لهجوم وحشي من النظام هما الأكراد وحركة غولن. ويشكل الأكراد، الذين يدعمون إلى حد كبير حزب الشعوب الديمقراطي، ما يقرب من 18 % من سكان البلاد. ويعتقد أن عدد أعضاء جماعة غولن، الطائفة الدينية، يبلغ حوالي 3 ملايين شخص.
في حالة هاتين المجموعتين، عمل الاختيار الرسمي ليساسة “العدو المزدوج” بشكل جيد. ولا تنطوي أي من المجموعتين على أي تعاطف خاص مع قضية المجموعة الأخرى.
بالإضافة إلى ذلك، اشترت شرائح أخرى من المجتمع -مجموعات كبيرة مثل السُّنيين المتدينين، والعلمانيين الكماليين، والقوميين المخلصين، وكذلك المجموعة الصغيرة من العلويين- هذه الرواية بحماس. وقد وصل قبولها بها إلى درجة أنه إذا نوى النظام سحق هذه الجماعات الاجتماعية التي يُفترض أنها معادية، فإن من الممكن اعتبار أفعاله مقبولة.
هذه هي الطريقة التي مورست بها سياسة القوة على مدى المائة عام الماضية في تركيا، وليست الأحداث الجارية سوى تكرار للنمط.
لطالما أمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أقوى شخصية في تركيا، في الحصول على السلطة المطلقة. ولتحقيق ذلك، قام بتسريع استهداف أصغر المجموعات وأكثرها ضعفاً -الإصلاحيين والليبراليين، الذين كانوا قد دعوا إلى وضع معايير ديمقراطية خلال فترة حكم حزب إردوغان، حزب العدالة والتنمية.
ومتشجعون بالجهود المبكرة التي بذلها حزب العدالة والتنمية لتأمين عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، سمح العديد من هؤلاء المفكرين وغيرهم من أعضاء النخبة بأن يصبح توافقهم مع مشاريع المجتمع المدني المدعومة من الاتحاد الأوروبي معرفة عامة. وتشير البيانات التي قدمتها العالِمة السياسية والأستاذة في جامعة باسيسير، أوزغي زينيو أوغلو، لموقع “أهفال نيوز أونلاين” إلى أن الاتحاد الأوروبي منح 105.3 مليون دولار إلى 1.018 مشروعاً للمجتمع المدني منذ العام 2002.
ومع ذلك، تضاءلت الآمال في عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي في منتصف العام 2013. ومع القمع الوحشي لاحتجاجات متنزه غازي، فشل أردوغان وحزبه في اختبار التسامح الديمقراطي. ومنذ تلك اللحظة، ظلت تركيا في دوامة انحدارية عندما يتعلق الأمر بالمعايير والأعراف الديمقراطية.
وقالت محكمة المراجعين الأوروبية أن عضوية المنظمات التركية المنادية بالحقوق قد انخفضت من 200.096 في العام 2015 إلى 50.598 في العام 2016.
كانت حقيقة كون الإصلاحيين ضعفاء واضحة منذ البداية. وكانت أسماؤهم وانتماءاتهم مسجلة لدى الدولة، بحيث يمكن استخدامها في حملات القمع بينما تتغير شخصية النظام. وتم نشر الروايات الرسمية التي شوهت سمعة المستهدفين بنجاح بمساعدة وسائل الإعلام الموالية للحكومة.
بينما تتواصل حملة القمع ضد الصحفيين، تُرك الأكراد، والأكاديميون، والعائلات الغولانية من القاعدة الشعبية، والإصلاحيون المستقلون، تركوا جميعاً وحدهم مع موافقة صامتة من الجماهير، وفي بعض الأحيان مع دموع التماسيح التي تذرَف على أولئك الذين يتعرضون للاستهداف.
كان اعتقال رجل الدين اليساري عثمان كافالا وانسحاب “مؤسسة المجتمع المفتوح” المدعومة من جورج سوروس علامات مبكرة على خطط أردوغان لنسخ نهج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه المنظمات غير الحكومية الممولة من الغرب. وتستهدف التقارير الواردة في وسائل الإعلام الموالية للحكومة علانية المؤسسات الألمانية، مثل “مؤسسة فريدريش ناومان شتيفتنغ” الليبرالية.
كما تتواجد في مرمى النيران مجموعات المجتمع المدني التركية القليلة المتبقية -مؤسسة هرانت دينك ومنتدى الصحافة المستقلة (بي-24).
تم تصوير مظاهرات متنزة غازي على أنها انتفاضة ضد الحكومة. وأفادت التقارير أن لائحة الاتهام التي أعدها المدعون العامون تجاوزت 1.000 صفحة، وأن 120 من أفراد المجتمع المدني قد اتهموا مسبقاً. ومن المتوقع أن يتم اعتبار ما لا يقل عن 600 شخص آخرين مشتبهاً بهم. ومن الممكن أن يتخذ النظام المزيد من الإجراءات ضد أهداف المجتمع المدني الأخرى كذلك. ويبدو أن المجتمع التركي الحر أصبح يختفي الآن، ذاهباً إلى داخل تابوت حجري.
*كاتب عمود تركي كبير ومحلل أخبار. عضو مؤسس في منتدى الصحافة المستقلة (P24) في اسطنبول، وهو يقدم التقارير والتغطيات عن تركيا ويرصد قضايا وسائل الإعلام منذ العام 1980. حائز على جائزة الصحافة الأوروبية في العام 2014، وهو أيضاً الفائز بجائزة الصحافة الألمانية للعام 2018.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Turkey’s free society is disappearing into a sarcophagus

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock