أفكار ومواقف

المجتمع المدني اليوم

على الرغم من تصاعد حملات التشكيك والهجوم التي تعرض لها في الأشهر الأخيرة، إلا أن المجتمع المدني الأردني حقق خلال السنوات الماضية، ولا سيما في العام الأخير نجاحات غير مسبوقة. وليس من المبالغة أن نقول إن القوى المعادية للنهوض بدور المجتمع المدني، بوصفه الركن الثالث لعملية صنع القرار، تخوض معركة يائسة ومتخبطة في محاولة منع تقدم المجتمع المدني نحو لعب دوره هذا.


وبطبيعة الحال، فإن ذلك لا يعني ان منظمات المجتمع المدني لا تعاني من عيوب ونواقص عديدة. لكن النفخ فيها وتضخيمها لا يخدم سوى أولئك الذين يحاولون عبثاً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وعرقلة التقدم الحتمي للمجتمع بأسره، وفي الطليعة منه منظماته المدنية.


وبدون العودة بعيداً إلى الوراء لنتأمل ماذا تحقق خلال العام الماضي ومطلع هذا العام. فلأول مرة تنجح المنظمات المدنية في القيام بمراقبة الانتخابات النيابية الأخيرة، بصورة شمولية أو جزئية. ولأول مرة تثمر ضغوط واحتجاجات هذه المنظمات في إقناع الحكومة الحالية بسحب مشروعي قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الاجتماعية وقانون النقابات المهنية من البرلمان، بل وأبدى رئيس الوزراء  نادر الذهبي استعداد حكومته لمراجعة قانون الاجتماعات العامة.


 وهنا يمكن القول أن الذين أصابهم العمى السياسي فقط، بوسعهم تجاهل حقيقة ان هذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا العمق الدولي لمنظمات المجتمع المدني الأردنية، وشبكة علاقاتها مع منظمات حقوقية دولية مرموقة، مثل “هيومن رايتس ووتش” وغيرها. وفي ضوء ذلك، يبدو أن الحكومة تأخذ على محمل الجد هذه المرة مسألة التشاور مع الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني بخصوص تعديل قانون الجمعيات.


وفي الوقت نفسه، سجل المجتمع المدني اختراقات هامة على صعيد علاقته بالبرلمان والقطاع الخاص، إذ لأول مرة تبدو آفاق التعاون بين البرلمان والمجتمع المدني مفتوحة في قضايا هامة مثل السياسات المالية والموازنة ومكافحة الفساد. وعلى صعيد متصل نجحت منظمات المجتمع المدني في اجتذاب منظمات الأعمال الرئيسية للعمل معها من أجل تنشيط وتعزيز المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، حيث تتجه النية للإعلان عن منتدى وطني مشترك للمسؤولية الاجتماعية. وتبدو هذه الأطراف (الحكومة والقطاع الخاص والبرلمان) أكثر استجابة الآن للدور الذي يلعبه المجتمع المدني، كقوة اقتراح ولا سيما على صعيد بلورة آليات للتشاور وتقديم الحلول للمشكلات والتحديات التي يواجهها المجتمع الأردني اليوم.


من هنا نقول أن الهجمات المتكررة على المجتمع المدني، لا يمكن فهمها الا في سياق الصراع الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه الأردن، وهو يخوض غمار الانتقال إلى القرن الواحد والعشرين. ولذلك فإن قوى المحافظة والشد العكسي، سواء على صعيد بعض المستويات الحكومية أو على صعيد المجتمع نفسه تحاول عرقلة هذا التحول لأسباب ودوافع متنوعة.


 فعلى سبيل المثال لا الحصر، لا تتردد بعض الدوائر والأوساط الحكومية عن إنغماس الأردن في العولمة الاقتصادية، لكن في الوقت نفسه تحاول التهرب من الالتزامات والتبعات الناتجة عنها، ولا سيما الانضباط للمعايير الدولية التي تترتب على العهود والاتفاقيات الدولية الخاصة، والتي وقعها أو صادق عليها الأردن، سواء منها ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية أو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية. ومنها أيضاً محاولة بعض القوى الاجتماعية والمهنية تبرير تقاعصها عن لعب دورها التنموي المطلوب، بالمزاودة والهروب إلى الأمام، أو تصوير نشاطات منظمات المجتمع المدني باعتبارها “اختراقاً خارجياً” للمجتمع الأردني.


لكن يجب الاعتراف في المقابل، أن العديد من الانتقادات التي توجهها بعض الاقلام المستقلة إلى منظمات المجتمع المدني لا تخلو من الصدق والرغبة في تصويب الأوضاع المختلة لدى العديد منها. لكن مشكلة هذه الانتقادات هي سمة التعميم التي لا تميز ما بين الصالح والطالح، وتؤدي، بالنتيجة، إلى صب المزيد من الماء في طاحونة القوى المحافظة.


ولذلك، فإنه من المهم أن تتوفر أدوات قياس أكثر رهافة ودقة في تشخيص العيوب والأمراض، بدلاً من رشق الاتهامات بالجملة. ومن المفيد ايضاً أن تعالج هذه العيوب (وحتى الشكوك) بالحوار المباشر وبعيداً عن التجريح والتخوين والاساءة.


المجتمع المدني الأردني حقق ويحقق نجاحات مهمة. لكن لا زال بحاجة إلى مراجعة ذاتية لتجربته، ولا بد من تطوير أدواته وآليات عمله. ومما لا شك فيه أنه يعاني من “حمولة زائدة”، حيث يشكل البعض منه عبئاً على البعض الآخر.


[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock