أفكار ومواقف

المحافظات: من مصانع التنمية إلى معامل الجوكر

نشرت وسائل الإعلام خبرا صادما الأسبوع الماضي، يتحدث عن اكتشاف الأجهزة الأمنية ومكافحة المخدرات معملا لتصنيع أسوأ أنواع المخدرات القاتلة التي تصنع من السموم، ويطلق عليها “الجوكر”، في أحد المنازل في عجلون. الصادم؛ كيف تحولت كل خططنا وأفكارنا حول التنمية المحلية في المحافظات، والتي نتحدث عنها بوضوح منذ نحو عقدين، إلى كابوس مخيف  يجر المئات من الشباب إلى مصير مرعب؟ وكيف تتحول الأفكار الكبيرة والممكنة التي طالما تحدثت عن زرع المحافظات بالمصانع والمزارع والمبادرات الشبابية الخلاقة إلى مصانع للجوكر والضياع والموت؟
لا نذهب إلى هذا الاستنتاج من فراغ، ولا يقصد نسف كل ما أنجز في ملف تنمية المحافظات، بل القول إن ما أنجز ما يزال أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب، ليس لسد الفجوة التنموية بين المؤشرات الوطنية ومؤشرات العديد من المحافظات، بل الحد الذي يضمن عدم الإزاحة نحو تشوهات مجتمعية كبرى في محافظة صغيرة مثل عجلون لا يتجاوز عدد سكانها 160 ألف نسمة تعكس معادلة الوفرة والندرة،  فهي المحافظة الخضراء ذات الثراء الزراعي وجبال الغابات والتقاليد الفلاحية التاريخية والمزيج السياحي الثقافي الديني والطبيعي.
في المقابل، تشبه قصة التحديث والتنمية فيها عشوائية لا طائل منها؛ فقد وصلت نسبة الفقر إلى 25،6 %، فيما تعد نسب البطالة من الأعلى على مستوى المملكة، وهناك آلاف من الشباب والفتيات الذين نالوا قسطا من التعليم بدون عمل ومنذ سنوات طويلة. وبعد الحديث المشوق الذي كان رجال أعمال وسياسيون يدغدغون مشاعرنا به عن وادي سيلكون أردني وعن مصانع نظيفة ومنتجعات سياحية يقصدها القريب والبعيد لا نجد في ذاكرة الأخبار إلا مصانع الجوكر.
علينا أن نكون أكثر وضوحا ونحسب جيدا حجم الآثار العميقة التي باتت الأزمة الاقتصادية  تتركها على المجتمعات المحلية وعلى بنية الأسرة الأردنية وسلوكها، وفي أقل تقدير منذ ست سنوات، وكيف تعمل هذه الظروف حاليا في إحداث اختلالات مجتمعية عميقة، وكيف بات ينمو هذا الخراب المرعب في أحشائنا، كل ذلك نتيجة ضعف الاستجابة التنموية، فآثار اللجوء والضغوط الإقليمية وفشل إدارة الموارد المحدودة جميعها تقف في صف واحد وتحتاج المزيد من المكاشفة والوضوح السياسي. الحديث عن هذا المثلت بوضوح يعني مستقبل البلد، على أقل تقدير، لعقدين قادمين وليس مجرد شعارات سياسية قابلة للأخذ والرد. كل يوم تزداد القناعة أكثر حول حجم حاجة الناس العاديين لحياة سياسية عامة معافاة قادرة على المساءلة من جهة،  وقادرة على دفعهم للمشاركة وتحمل المسؤولية، من جهة ثانية.
تحدي تنمية المحافظات يعد اليوم أولوية وطنية لا تسبقها أولوية أخرى، فالاختلالات تقود إلى أشكال متعددة من التشوهات لا يستطيع أحد أن يتوقع مصيرها وتحولاتها. هناك ثماني محافظات تعاني ظروفا تنموية صعبة، ومنها أربع محافظات تحتاج أن تدخل في حالة طوارئ؛ عمليا لا يوجد في معظم هذه المحافظات مشروع اقتصادي واحد يعود للقطاع الخاص يستقطب أكثر من 50 عاملا وربما أقل. بالمعنى الاقتصادي؛ لا يوجد قطاع أعمال حقيقي في هذه المحافظات، وتكاد تكون حصتها من الاستثمارات الوطنية الوافدة معدومة، فيما حصة المجتمعات المحلية من الثروة الوطنية لا تكاد تذكر رغم كل ما نعرفه من كونها مستودع الموارد الوطنية الاستخراجية والاستراتيجية والتاريخية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock