آخر الأخبار حياتناحياتنا

“المحبطون”.. يتفننون بـ”امتصاص” طاقة الإنسان وسرقة لحظات الفرح

تغريد السعايدة

عمان- يشبه المدرب والأخصائي النفسي الأسري العربي طارق الحبيب، في إحدى مقالاته، الإحباط، بأنه ذلك الشيء الذي “يتسلل إلى حياة الشخص ببطء نتيجة لتراكم المواقف التي تخالف توقعات الشخص وآماله حتى يصل لدرجة من الاستسلام والضعف والانسحاب، مع مزاج اكتئابي يحول بينه وبين التفاعل مع الحياة بالشكل المطلوب والمتوقع”.
لذا، فإن الشخص الذي يدخل في مرحلة الإحباط يكون قد تعرض للكثير من المواقف الناجمة عن وجود أشخاص في محيطه سلبيين و”هدامين”.
وبحسب دراسات خاصة، فإن هنالك “مواقف خارجية هي ما تُشكل عادة حالة الإحباط لدى الفرد، ليتحول لشخص سلبي ومتشائم وغير مكترث بالحياة خشية الفشل والإخفاق.
“ما رح عمرك تشوف النجاح بعينك”، هذه العبارة ما تزال تتردد في أعماق الطالب الجامعي عمر محمد، ويتحدث عن أصدقائه الذين كانوا يوجهون له كلمات التشاؤم والإحباط، بأنه لن يكون طالبا ناجحا، ولن يستطيع أن يتجاوز مرحلة الثانوية العامة.
غير أنه، وبعد سنوات من هذه الكلمات صعبة النسيان، يقول إنها قللت من شغفه وحماسه للدراسة، حتى أنهى الثانوية العامة وتخرج من الجامعة في تخصص اللغة الإنجليزية، إلا أنه في الوقت ذاته، يؤكد أنه رغم كل ذلك، لم يستطع أن يتجاوز “ولو نفسياً مرحلة نسيان تلك الكلمات المثبطة للمعنويات”، لكنه تجاوزها عملياً، وهو الآن يعمل في مجال تخصصه.
“الإحباط” يُعرف في علم النفس أنه الحالة التي تواجه الفرد عندما يعجز عن تحقيق رغباته النفسية أو الاجتماعية بسبب عائق ما، وقد يكون هذا العائق خارجياً كالعوامل المادية والاجتماعية والاقتصادية أو قد يكون داخلياً كعيوب نفسية أو بدنية أو حالات، ويُشكل صراعا نفسيا يعيشه الفرد يزيد من ظهور عوارض نفسية لديه كما في الكبت، النسيان، الإعلاء، التعويض، التبرير، النقل، الإسقاط، التوجيه، تكوين رد الفعل، أحلام اليقظة، الانسحاب، والفشل.
الأخصائية التربوية الدكتورة انتصار أبو شريعة تطلق على “المحبطين” الذين يحاولون الانتقاص من كل عمل جميل بأنهم “مصاصو الطاقة الإيجابية”، فهناك من يمتص طاقتك ويجعلك تشعر بالضعف والخمول والكسل بمجرد الجلوس بمرافقته، لذا فهي لا تتردد في أن تراهم سارقي الإيجابية، الذين يحاولون أن يمتصوا آخر فكرة جميلة من الشخص المقابل.
“من هم سارقو الطاقة أو مصاصوها؟”، تتساءل أبو شريعة، لتقول إنهم كل شخص يجعلك تخاف منه وتتردد من مجالسته وتشعر معه بضيق وتوتر، سواء أكان قريبا، صديقا، زميلا، جارا، أو حتى مسؤولا… وغيرهم، فهم يجعلونك في حالة قلق لكثرة السؤال والاستجواب. وتضيف “منهم من يطلب الاهتمام والعطف ويحملك مسؤولية وضعه، ومن يتعامل معك بغموض ليجعلك تفكر به، كما أنه الشخص الذي لا يعطيك أي فرصة لكي تدافع عن نفسك ورأيك وفكرتك الإيجابية التي تتحدث عنها”.
“اندفع نحو هدفك بكل قوة ومثابرة من دون أن تلتفت إلى أي أحد ولا تعد إلى الخلف.. لديك طموح وحلم حققه من دون انتظار رأي من الآخرين”، يقول الطالب الجامعي أحمد عبدالله، الذي مرّ بلحظات “محبطة” عندما كان يدرس الثانوية العامة، ووضع نصب عينيه أن يدخل في كلية الطب، ليدافع عن حلمه بغض النظر عن كل ما يمكن أن يقلل من همته ويشكل لديه إحباطا وقلقا قد يؤثر على دراسته وحلمه.
ويقول أحمد إنه كان يبحث بين من يحيطون به عن كلمات التشجيع والقوة والثقة، وخاصة من عائلته المقربة، لأنه كان يعلم مدى تأثير الكلام السلبي أو الإيجابي عليه، لذا، يرى أنه استطاع تجاوز المرحلة بكل قوة ووصل إلى ما طمح إليه رغم “المطبات”، ويتمنى من كل فرد أن يبتعد عن الأفراد المحبطين الذين يرمون عبارات لا يلقون بالاً لمدى تأثيرها على الإنسان المقابل.
الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة، يرى أن البيئة المحبطة قد تكون في مجتمع أو أشخاص، أو حتى أماكن تبعث على بث السلبية في النفوس، وعادةً ما تكون الأسرة هي التي فيها نموذج، إما سلبي مُحبط، أو إيجابي متفائل، والأسرة المحبطة هي التي تفتقر إلى الحراك والنشاط والحيوية، واعتادت على هذا الحال، وفيها دائماً من يلعب دور الضحية الذي “يسخط على الوقت والظروف”، والخطورة تكمن في نشوء أطفال في تلك البيئة التي تُخرج للمجتمع “محبِطين ومُحبَطين”.
هؤلاء الأشخاص، يرى مطارنة أنهم باتوا يعيشون في بيئة غير مستقرة، ويعانون من أعراض مرضية، مثل الاضطرابات في الشخصية، ولديهم مشاكل نفسية من حيث الإحساس بالنقص وعدم القدرة على البناء والتحليق والتطوير، ويعيشون في جزء محدود من المجتمع، ومن هنا تبدأ القضية في إنتاج أشحاص محبطين سلبيين يعانون كذلك في أعماقهم من حقد وغلّ على نجاحات الآخرين.
“أنتِ إنسانة ليس لها أي قيمة في الحياة… أنتِ قطعة أثاث لا يمكن الاستفادة منك”، هذه أيضاً كلمات سمعتها خولة، من أقرب الأشخاص في حياتها، من عائلتها، وتتساءل في نفسها لما يمكن لأي شخص أن يوجه هذا الكلام للآخرين، خاصة من الأهل، الذين يجب أن يكونوا أكثر الأشخاص المانحين للتفاؤل والحب والعزيمة.
تقول خولة هذه الكلمات وهي تشعر بالكثير من الحزن، فهي للآن كذلك لم تستطع أن تنسى كلمة واحدة مما قيل لها، على الرغم من أنها الآن “أم”.
أبو شريعة تبين أن كل شخص يستطيع أن يعرف من هم المحبطون من حوله من خلال طباعهم وعند مجالستهم؛ إذ يمكن التعرف عليهم كونهم من الأشخاص الذين يهولون الأمور البسيطة، وكثيري التذمر والشكوى من عائلاتهم ومحيطهم، والأشخاص المتطفلين على حياتك وحياة الناس من دون اعتبار للخصوصية، كما أنهم أشخاص لحوحون يحملون الناس والمجتمع مسؤولية أخطائهم وفشلهم.
لذا، وجب على الشخص الابتعاد عن هذه الطاقة السلبية وحماية نفسه من المحبطين الذين يقللون من قيمة الإيجابية في الحياة، بحسب أبو شريعة، وتجنب الجلوس معهم أكبر قدر ممكن، عدا عن أهمية تعلم مهارات الحوار معهم حتى لا يتأثر الفرد بهم وبسلبيتهم، ومن الأهمية بمكان كذلك “المحافظة على طاقتنا الإيجابية مهما سمعنا منهم أو تأثرنا بهم، ولا يجب أن نخجل من قول كلمة لا لهم، ووضع حد لتدخلاتهم، وأن لا نتفاعل معهم من خلال مشاركتهم النقد والتذمر”.
وينصح مطارنة كذلك الأسرة بضرورة تكوين نماذج إيجابية، وهذا يساعد على التخلص من الآثار النفسية للإحباط التي عادةً ما تؤدي إلى حدوث إسقاطات كبيرة مثل الانفصام، العزلة التي تؤدي للاكتئاب المرضي.
ويشير الى أن الشخص الإيجابي هو إنسان قادر على أن يتجاوز أي مشكلة بسهولة بإيجاد الحلول، ولديه طاقة إيجابية تمنحة نوافذ جديدة للتفكير بمجالات واسعة للعمل والبناء، ولا بد للأسرة والأفراد البحث عن الإيجابية والابتعاد عن السلبية، وتغيير الاتجاه لانعكاسها على المشاعر فيما بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock