صحافة عبرية

المخاطر باتفاق تحديد الحدود البحرية بين تركيا وليبيا

INSS

بقلم: غاليا ليندنشتراوس وسارة فوير واوفير فينتر

22/12/2019

في 27 تشرين الثاني (نوفمبر)، وقعت تركيا على اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين “حكومة الوفاق الوطني” في ليبيا التي تتخذ من طرابلس مقرا لها وتحظى باعتراف دولي. اما الحكومة الخصم، التي تتخذ من مدينة طبرق في شرقي الدولة مقرا لها ويقودها القائد العسكري خليفة حفتر، فقد شككت بشرعية الاتفاق، وكذا اليونان ومصر ايضا. فقد شجبت أثينا الصفقة بسبب تجاهلها وجود جزيرة كريت اليونانية، التي تقع بين شواطئ تركيا وليبيا، وقررت القاهرة بأن الاتفاق ليس قانونيا. منذ التوقيع طردت اليونان السفير الليبي وشجب الاتحاد الاوروبي الاتفاق.
يمكن لثلاثة عوامل مركزية ان تشرح الدافع والتوقيت للاتفاق. الاول، هو معارضة تركيا طويلة السنين لميثاق الامم المتحدة للقانون البحري (UNCLOS) من العام 1982، والذي رفضت التوقيع عليه (الى جانب اسرائيل والولايات المتحدة). في ضوء القرب الجغرافي بين تركيا، الجزر اليونانية وقبرص، فإن تطبيق مبادئ ميثاق القانون البحري كان من المتوقع ان يقيد جدا حجم المياه الاقتصادية الحصرية والرف البري لتركيا. فتركيا متعلقة جدا باستيراد الطاقة، ولهذا فإن معارضتها لبعض من مبادئ ميثاق القانون البحري تعززت فقط في ضوء مكتشفات الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط في السنوات الاخيرة.
العامل الثاني، هو احباط أنقرة من عدة اتفاقات وقعت بين جيرانها في السنوات الاخيرة، والتي تعتبر مناقضة للمصالح التركية في المنطقة. ضمن هذه تندرج الاتفاقات على ترسيم حدود المياه الاقتصادية الحصرية التي وقعت عليها قبرص مع مصر في العام 2003، مع لبنان في العام 2007 ومع اسرائيل في العام 2010.
وبشكل عمومي أكثر، ترى انقرة في التعاون المتطور بين اسرائيل، مصر، اليونان وقبرص (والذي وجد تعبيره مثلا في اقامة منتدى الغاز لشرقي البحر المتوسط – EMGF في 2019) كجهد لعزل تركيا. وتأييد واشنطن لهذه الاتفاقات اضاف فقط لمخاوف انقرة. من زاوية النظر هذه، يجب النظر الى الاتفاق بين تركيا وليبيا بأنه رد مضاد في ضوء ما يعتبر في تركيا كمحاصرة لها. اذا صمد الاتفاق فانه سيعتبر نجاحا مهما لأن تركيا توصلت حتى الآن الى اتفاق على حدود رفها البحري فقط مع الجمهورية التركية لشمال قبرص (2011)، الكيان الذي تركيا هي الوحيدة التي تعترف به كدولة ذات سيادة.
العامل الثالث، هو نزعة تأكيد الذات التي تبديها تركيا مؤخرا تجاه محيطها، الميل الذي يمكن ان نراه في ثلاث حملات عسكرية ادارتها انقرة في شمال سورية منذ 2016 (الاخيرة منها في تشرين الاول (أكتوبر)، وفي قرار تركيا هذه السنة اطلاق سفن التنقيب نحو المياه الاقتصادية الحصرية لقبرص بمرافقة سفن مدفعية. تشكك تركيا بشرعية ترسيم الحدود البحرية لقبرص وذلك ضمن امور اخرى عقب النزاع الطويل في الجزيرة بين الاتراك القبارصة واليونانيين القبارصة.
اذا ما وضعنا جانبا للحظة مسألة قانونية الاتفاق بين تركيا وليبيا، وحقيقة انها اغلب الظن موضع خلاف كون حكومة ليبيا التي وقعت على الاتفاق لا تحكم الا قسما صغيرا من اراضي ليبيا، معقول الافتراض بانه سيكون للاتفاق ثلاثة آثار اساسية: تأثير سلبي على العلاقات الثنائية بين تركيا ودول شرق البحر المتوسط المختلفة، احتمالات اقل لاقامة انبوب الغاز في شرق البحر المتوسط (مشروع East Med)، واطالة الحرب الاهلية في ليبيا.
اولا وقبل كل شيء، يضع الاتفاق التركي الليبي تحديا امام العلاقات التركية اليونانية المتوترة أصلا. بخلاف العلاقات بين أنقرة والقاهرة او بين انقرة وإسرائيل، ما يزال بين أنقرة واثينا قنوات اتصال مفتوحة، مثلما يمكن ان نرى في اللقاء بين رئيسي الدولتين على هامش قمة الناتو في لندن، في بداية كانون الاول (ديسمبر). ومع ذلك، يوجد احساس خوف متزايد من امكانية نشوب مواجهة عسكرية بين الدولتين، والاتفاق يضيف مواضيع جديدة الى عدم التوافق والنزاع المحتمل لمنظومة العلاقات المتوترة.
قبرص، مقارنة بباقي اللاعبين، عانت من نزعة تأكيد الذات المتعاظمة لدى تركيا في شرقي البحر المتوسط، والاعمال التركية ستقلل شهية شركات اجنبية تعميق دورها في التطويرات المتعلقة بمكتشفات الغاز الطبيعي في محيط قبرص. بالمقابل، يحتمل ان تبعث الاعمال التركية احساسا بالالحاح للعودة الى المفاوضات للتوصل الى حل سياسي في قبرص، حتى لو كانت المصاعب التي ميزت جولات المفاوضات السابقة ستتكرر.
كما أن ردود فعل مصر على الاتفاق التركي الليبي كانت سلبية. ففي ضوء التوتر القائم بين مصر وتركيا، اطلقت تحذيرات في وسائل الاعلام المصرية المتماثلة مع الحكومة بان مصر لن تقعد مكتوفة الايدي في ضوء النفوذ التركي المتعاظم في ليبيا، نفوذ ترى فيه القاهرة احد اسباب عدم الاستقرار في ليبيا ومصدرا محتملا لتسلل تهديدات الارهاب الى نطاقها. بالنسبة لمصر، السعودية، واتحاد الامارات، فان الاتفاق ليس فقط خرقا لميثاق قانون البحر وتفاهمات سابقة بين الاطراف المتنازعة في ليبيا، بل وايضا انعكاسا للصراع الاقليمي الاوسع الجاري بين مؤيدي ومعارضي الاسلام السياسي.
لقد عرض الاتفاق التركي – الليبي في وسائل الاعلام المصرية كتدخل خارجي مرفوض في الشؤون الليبية والعربية الداخلية، كمس بالامة العربية، وكعمل يتطلب رد فعل من الجامعة العربية. فضلا عن ذلك، فقد عرض كتهديد على دول شرق البحر المتوسط، ولا سيما مصر، اليونان وقبرص.
في تشرين الثاني (أكتوبر) 2019 اجرت هذه الدول الثلاثة المناورة العسكرية المشتركة “مدوزة 9” في شرقي البحر المتوسط. واستهدفت المناورة تعظيم التعاون بينها حول تحديات الامن والدفاع المشتركة، والتي ينبع مصدرها اساسا من تركيا.
رغم ان جدوى بناء انبوب غاز في شرق البحر المتوسط كانت موضع شك حتى قبل الاتفاق التركي – الليبي الاخير، فإن الاتفاق يضع مصاعب اخرى امام المشروع. فحسب الخطة الاصلية، فان مسار الانبوب (1.300 كيلو متر في البحر و 600 كيلو متر في البر) يفترض أن يمتد من حقول الغاز الطبيعي امام شواطيء اسرائيل الى قبرص، من قبرص الى كريت، من كريت الى شبه جزيرة بلوبونس، ومن هناك الى غربي اليونان، حيث يرتبط بانبوب آخر، البوسيدون، وفي نهاية الامر يصل الى ايطاليا. ولكن الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، اعلن بان معنى اتفاقه مع السراج هو ان “قبرص اليونانية، مصر، اليونان واسرائيل لن تتمكن من اقامة خط تسيير الغاز دون تلقي الاذن المسبق من تركيا”.
بالمقابل، فان الاحتمال الصغير لبناء انبوب غاز في شرقي البحر المتوسط كفيل بان يساهم في الجهود المصرية لتضع نفسها كمفترق طرق للطاقة الاقليمية، كونها تحوز منذ الآن لمنشآت لتسييل الغاز الطبيعي، وهكذا يمكنها ان تصدر الغاز الى اوروبا والى اسواق اخرى من خلال سفن توفر الحاجة الى بناء انبوب طويل.
وأخيرا، فإن الاتفاق، الذي ترافق وتفاهمات على تعزيز التعاون الامني مع القوات المتماثلة مع السراج كفيل بان يفاقم الآثار السلبية للتدخل الاجنبي في الحرب الاهلية المتواصلة في ليبيا. وحتى قبل الاتفاقات الحالية، زودت تركيا “حكومة الوفاق الوطني” في طرابلس بالسلاح، بما في ذلك الطائرات المسيرة والمركبات المجنزرة، وساعدتها في تأهيل الميليشيات المرتبطة بها. والان اعلن اردوغان بانه يحتمل نشر قوات تركية في ليبيا، اذا ما طلبت الحكومة في طرابلس ذلك. وفي هذه الاثناء تتلقى قوات حفتر دعما اقتصاديا وبالسلاح من مصر، السعودية والامارات، وعززت روسيا مؤخرا تواجدها في شكل 1.400 من المرتزقة من جانبها ممن يقاتلون الى جانب حفتر. وبالتوازي، رغم تصريحات الدعم من جانب الرئيس الاميركي دونالد ترامب لحفتر في بداية السنة، تغيب الولايات المتحدة جدا عن الساحة. ولما كانت تركيا وروسيا تدعمان الآن فصائل متخاصمة في ليبيا، فان اتفاق اردوغان – السراج الحالي كفيل بأن يصبح مصدر احتكاك بين انقرة وموسكو. وبالفعل، رغم التقارير، أمر حفتر قواته البحرية باغراق كل سفينة تركية تقترب من الدولة.
ان مساعدة أنقرة للحكومة في طرابلس ستزداد، وهكذا يتعاظم الاحتكاك بين اللاعبين الخارجيين، وستتواصل الحرب الاهلية التي منذ (أبريل) جبت اكثر من الف ضحية وجعلت عشرات الآلاف ينزحون في الدولة.
لاسرائيل من جهتها توجد مصلحة واضحة في أن ترى شرق البحر المتوسط خاليا من المواجهات. فتعزيز علاقات اسرائيل باليونان – قبرص في السنوات الاخيرة دفع وزارة الخارجية لان تنشر تصريح تضامن مع قبرص ردا على اطلاق سفينة التنقيب التركية الى المياه الاقتصادية الحصرية لقبرص، ومع اليونان ردا على الاتفاق التركي – الليبي. هذه التصريحات غير المسبوقة تطلق الاشارة بان اسرائيل ستجد صعوبة في ان تقف جانبا في حالة اندلاع مواجهة بين جيرانها في شرقي البحر المتوسط. وبالفعل، وفقا للتقارير، قبل نحو اسبوعين اجبرت سفن تركيا سفينة بحث اسرائيلية عملت بموافقة من حكومة قبرص في اراضي المياه الاقتصادية الحصرية لقبرص على الخروج من المنطقة. وبالأخذ بالحسبان ان اسرائيل لن ترغب في ان تعلق في النزاع الاقليمي المتماثل، فإن على مقرري السياسة في إسرائيل أن يبدؤوا بصياغة ردود فعل محتملة مسبقا.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock