آخر الأخبار حياتناحياتنا

المخططات الحياتية تحت وطأة قرارات “كورونا”.. والقادم “مجهول”

منى أبوحمور

عمان- لعل المرء لم يعد قادرا على اتخاذ قرارات بمجمل تفاصيل حياته، طالما يعيش العالم أجمع تحت وطأة تأثير فيروس كورونا، والتغيرات التي يفرضها من وقت لآخر، وما ترافقه من اجراءات وقرارات تصدر تباعا من الجهات المختصة كفيلة بأن تغير كافة المجريات، وما تخطط له العائلات.
فلم تكن الظروف الصحية والنفسية والاقتصادية التي رافقت جائحة كورونا سهلة على المواطن الأردني الذي رتب حياتة العملية والاجتماعية وفق القرارات الحكومية والجهات المختصة، التي قد تتغير بين الحين والآخر.
حزمة القرارات الاقتصادية الصعبة التي تم اتخاذها تباعا دفعت العديد من المواطنين لقرارات خاطئة على الصعيد العملي، ووصلت ببعض الأحيان إلى ترك العمل وإغلاق مشاريعهم.
“السير نحو المجهول والمغامرة في المضي بمشروع لا نعرف إن كان سيتمكن من مقاومة الجائحة وآثارها السلبية.. بات أمرا في غاية الخطورة!”، هذا ما دفع سعيد نصر صاحب مقهى لإغلاقه وتسريح الموظفين العاملين به.
حالة الإرباك التي عاشها نصر والعديد من أصحاب المصالح بسبب القرارات تراوحت بين الفتح والإغلاق، أو حتى الإغلاق باكرا جعلت هذه المشاريع عبئا على أصحابها، فلم تعد تؤمن المصاريف وفق نصر، لافتا إلى أن عدم وجود رؤية واضحة إلى وقت انتهاء هذا الدمار الاقتصادي دفعه والعديد من معارفه إلى “إغلاق المصلحة كاملة”.
القرارات المتسارعة والمتأصرة بالظروف الاقتصادية الصعبة والنفسية التي خلفتها جائحة كورونا لم تقتصر على إغلاقات بعض المشاريع الفردية، وإنما أيضا طالت استقالات لبعض الأشخاص الذين يعملون خارج البلاد تحت ظروف صحية ونفسية صعبة.
قرارات ثمينة قد تكلف أصحابها أعباء اقتصادية ونفسية وأخرى اجتماعية قد يجني البعض ثمارها بعد مرور وقت من الجائحة، وتفكرهم أنهم اتخذوا قرارات هي الأصعب في حياتهم.
الصعيد الأكاديمي أيضا له حصة من القرارات الخاطئة بعد التحول إلى التعلم عن بعد، وفي ظل الظروف الاقتصادية دفع العديد من أولياء الامور إلى تأجيل السنة الدراسية لأبنائهم في حين قرر طلبة آخرون ترك منحهم الدراسية والعودة إلى الأردن، رغم الوضع الدراسي الراهن ما أفقدهم فرص الاحتفاظ بمنحهم.
من جهته يبين أخصائي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنة، أن القرار يجب أن يتم دائما في ظروف عادية ولا يجوز أخذ أي قرار تحت ضغط نفسي أو تحت ضغط العمل والآخرين، ويجب أن يفكر في معطياته وأنه يمر في ظروف صحية ونفسية مناسبة، في حين أنه وفي ظل الظروف السائدة بسبب جائحة كورونا، وخاصة في فترات الحظر والكساد الاقتصادي يسبب ضغطا نفسيا كبيرا، وبالتالي يضعف التحكم في الجهاز العصبي، وعليه يميل الإنسان إلى العنف الناتج عن الظرف النفسي، فيكون التفريغ عن حالة الغضب والرفض بالعنف وردات الفعل العصبية.
ويتابع مطارنة، أن اتخاذ قرارات تحت هذه الظروف والضغط النفسي تكون غير متوازنة، وهي خاطئة في العادة، وقد تهدد استقرار الأسرة سواء كانت عنفا أو طلاقا أو حتى قرارا أكاديميا أو اقتصاديا من شأنه أن يدمر حياة الأسرة أو يضعف استقرارها ويهدم أحلامها.
ويضيف، لابد في هذا الوضع الصعب عدم اتخاذ أي قرارات مصيرية، ومحاولة استيعاب الإشكاليات أكثر، واحتواء الظروف الطارئة التي نمر بها بأن نتأنى باتخاذ أي قرار، وأن نتكيف ونكون “مرنين”.
هناك استراتيجية يجب اتباعها عند اتخاذ القرارات في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها العالم أجمع وفق مطارنة، وهي الوقوف لثانية ثم التفكير مليا قبل القيام بردة الفعل، وهناك يجد نفسه الشخص قد تمالك نفسه، وسيطر على أعصابه، وربما يتخذ حينها قرارا صائبا بعيدا عن التسرع.
ويلفت مطارنة إلى أن الظروف الاجتماعية والنفسية وحتى الاقتصادية التي يمر بها المجتمع بسبب جائجة كورونا هي الأصعب، وربما يوجد الكثيرون ممن هم غير قادرين على التكيف مع هذه الظروف الصعبة، ولكن يجب على الجميع التريث في هذه الفترة والابتعاد عن اتخاذ أي قرار على كافة الأصعدة، لأنها ستكون قرارات غير سليمة وانفعالية، فالقرار لابد عند اتخاذه من دراسة المخاطر ونتأكد من أنه محصن وآمن.
أخصائي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع يشير بدوره إلى أن الخوف والرعب اللذين يعيشهما المواطن منذ بداية جائحة كورونا والضغوطات الاقتصادية جعلت البيئة التي يعيش فيها الإنسان بيئة مضطربة اجتماعيا ونفسيا، فيصبح الشخص غير قادر على اتخاذ القرارات السليمة في تلك الفترة.
المواطن يبني قراراته، بحسب جريبيع، بناء على القرارات التي تصدر عن الجهات المختصة، ويدفع ثمنها كثير من الأفراد بقرارات متسرعة.
“كل مواطن أردني على علم ومعرفة عن الوباء ومساره، ونحن الآن، وإن كنا بطريقنا للذروة ممكن أن نصل الى الذروة في الشهر القادم”، وفق جريبيع، لكن لابد من أن نكون على علم ومعرفة ووعي ومعرفة وقدرة على الاستيعاب لاتخاذ القرارات عند الدخول على عامنا الجديد.
ويضيف جريبيع، بالتزامن مع القرارات الاقتصادية والوبائية الصعبة والقرارات المفتوحة التي تتخذها الحكومة ظهرت حالات من الضرر وعدم وضوح الرؤية في المستقبل والقلق من المجهول أدت إلى اتخاذ القرارات غير الصائبة.
وفي دراسة نشرتها “البي بي سي”، قام بها مجموعة من علماء علم النفس حول اتخاذ القرارات في الظروف الطارئة والأزمات، لفتت إلى أنه وفي ضوء أن هذا الفيروس جديد من نوعه وسريع الانتشار، يتعين على المرء اتخاذ قرارات هي الأخطر من نوعها، في ظل ظروف تكتنفها شكوك هائلة، ولا يتوافر لديه فيها سوى قليل من الوقت.
ويعكف البشر حاليا في شتى أنحاء العالم على اتخاذ قرارات تفصل بين الحياة والموت، في خضم المعركة الدائرة ضد فيروس كورونا المستجد.
وتقول إِما باريت، الأستاذة في جامعة مانشستر والمتخصصة في علم نفس التعامل مع المواقف المعقدة، إن الناس غالبا ما يتصرفون في المواقف العصيبة، “وكأنهم يرزحون تحت ضغط الوقت، حتى عندما يكون ذلك غير صحيح”.
في الوقت نفسه، ربما تخلّف الضغوط تأثيرات سلبية للغاية على العلاقات الشخصية القائمة بين الأفراد، وقد تقود البشر إلى تجنب الانخراط في مواجهات بينهم وبين بعضهم بعضا تماما.
ففي أوقات الأزمات، تقود ضرورة التقارب والتآزر، في بعض الأحيان، إلى أن تبلور مجموعة ما من الناس، إجماعا على قرارات بعينها، قبل استكشاف الخيارات الأخرى المتاحة لهم، بشكل كامل.
ويشير سميث – الذي يتواصل ويتعاون مع المسؤولين عن اتخاذ القرار في هيئة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة- إلى أن الاتصالات بين الأطراف المعنية بالمواقف التي تشتد فيها التوترات والضغوط، يجب أن تكون، بوجه عام، “قصيرة وقاطعة وواضحة”، بما يصل أحيانا إلى حد اتصافها بطابع خشن.
وحذر الرجل في حديثه معي من أنه قد يصعب على العاملين الأقل خبرة، مثل الأطباء المبتدئين، تقبل هذا النمط من التواصل، وهو ما يوجب على الموظفين الأقدم منهم، تحضيرهم لمواجهة مثل هذه المواقف.
وفي نهاية المطاف، علينا أن نحاول أن نتذكر بمجرد انتهاء الأزمة الحالية، أن من اتخذوا خلالها القرارات الأكثر أهمية بالنيابة عنّا، سيظلون يحملون على كاهلهم عبئا ومسؤولية ثقيلتيْن لفترة طويلة من الوقت.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock