ترجمات

المدن “الذكية” هي مدن مراقَبة

روبرت موغاه؛ وغريغ والتون* – (فورين بوليسي) 17/4/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عندما يكون كل الناس وكل الأشياء متصلين مع بعضهم بعضا، يكون الباب مفتوحًا أمام جميع أنواع التهديدات الرقمية.

  • * *
    تصبح الكثير من المدن في مختلف أنحاء العالم أكثر ذكاءً. بل إن عددًا متزايدًا منها أطلقت على نفسها تسمية “مدن ذكية”. وهناك، بطبيعة الحال، تعريفات كثيرة للمدن الذكية بقدر عدد المدن التي تدعي أنها ذكية. وبشكل عام، تستخدم المدن الذكية مجموعة من تقنيات اتصالات المعلومات -بما في ذلك شبكات الاتصال عالية السرعة، وأجهزة الاستشعار، وتطبيقات الهاتف المحمول- لتعزيز التنقل والمرونة والاتصال، وتحفيز الاقتصاد الرقمي، وزيادة كفاءة الطاقة، وتحسين تقديم الخدمات -وبشكل عام رفع مستوى رفاهية ساكنيها. وعادة ما ينطوي كون المدينة “ذكية” على تسخير مجموعات من البيانات لتحسين الطريقة التي تعمل بها المدينة -من الاستخدام الأكثر كفاءة للمرافق والخدمات الأخرى، إلى تقليل الازدحام المروري والتلوث- وكل ذلك بهدف تمكين السلطات العامة والسكان.
    مهما تكن الطريقة التي يعرّفها بها المرء، فإن المدن التي تعتمد على البيانات تتزايد وتزدهر. وحسب أحد التقديرات، هناك أكثر من ألف مشروع للمدن الذكية قيد التنفيذ حول العالم. كما تتكاثر التصنيفات والمؤشرات أيضاً، حيث تتصدر مدن مثل سنغافورة، وهلسنكي، وسيول وزيورخ القائمة بشكل روتيني. وعلى الرغم من الحماس العالمي للمدن فائقة الاتصال، فإن هذا العالم الحضري السلكي المستقبلي له جانب مظلم. وعلاوة على ذلك، قد تفوق المخاطر الفوائد المفترضة في القريب.
    ذلك لأن كلمة “ذكي” تصبح باطراد تعبيرًا ملطفًا عن المراقبة. فقد نشرت مدن في 56 دولة على الأقل حول العالم تقنيات مراقبة مدعومة بالتنقيب التلقائي عن البيانات، وتقنيات التعرف على الوجه وأشكال أخرى من الذكاء الاصطناعي. والمراقبة الحضرية صناعة مزدهرة بمليارات الدولارات، والتي تحتل مراكز الريادة فيها الشركات الصينية والشركات العاملة في الولايات المتحدة مثل Axis وDahua وHikvision وHuawei وZTE. وسواء كانت في الصين أو في أي مكان آخر، فإنه عادة ما يتم وصف المدن الذكية بعبارات حميدة، مع الوعد المهدِّئ والمريح بحلول الطاقة الأكثر خضرة، والتنقل الأقل احتكاكًا، والشوارع الأكثر أمانًا. ومع ذلك، ثمة مخاوف متزايدة في عدد متزايد من الأماكن، من نيويورك إلى هونغ كونغ، بشأن الطرق التي تعتدي بها المراقبة فائقة القوة والصرامة على حرية التعبير والخصوصية وحماية البيانات. لكن الحقيقة هي أن التعرف على الوجه والتقنيات ذات الصلة تظل بعيدة كل البعد عن أن تكون السمة الأكثر إثارة للقلق في المدن الذكية.
    جزء مما يفترض أنه يجعل المدن أكثر ذكاءً هو نشر وتكامل تقنيات المراقبة، مثل أجهزة الاستشعار وأنظمة جمع البيانات البيومترية. وتشكل المستشعرات الإلكترونية، والعاملة بالأشعة تحت الحمراء، والحرارية ومجسات الليدار التي تحدد المسافة بالضوء والليزر، أساس الشبكة الذكية، وهي تقوم بكل شيء، بدءًا من تشغيل مصابيح الشوارع، إلى تحسين وقوف السيارات وتدفق حركة المرور، إلى اكتشاف الجرائم. وتتبنى بعض المدن هذه المنصات بسرعة أكبر من غيرها. وتشكل الصين، على سبيل المثال، موطناً لـ18 من أعلى 20 مدينة خاضعة للمراقبة في العالم. وشنغهاي، التي حققت تغطية كاملة بتقنية الاتصال من “الجيل الخامس” في منطقة وسط المدينة، و99 في المائة من تغطية الألياف الضوئية في جميع أنحاء المدينة، مغطاة بغطاء حقيقي وشامل من المراقبة بالفيديو. وأصبحت أجهزة جمع سمات الهوية والتعرف عليها أمرًا شائعًا، حيث انتشرت بطريقة هائلة في الأماكن العامة والخاصة. وقامت شنغهاي مؤخرًا بتركيب نظام المراقبة العامة “عقل المدينة” City Brain من شركة “علي بابا”، والذي يشرف على أكثر من 1.100 كاميرا للتعرف على الوجه بواسطة المقاييس الحيوية. وتلتقط مجموعة من الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار والكاميرات الثابتة أكثر من 20 مليون صورة يوميًا. كما يتم أيضًا تتبع الحافلات والمترو وبطاقات الائتمان الخاصة بالسكان المحليين في الوقت الفعلي. وهذه الأدوات آخذة في الانتشار. وتعمل الشركات الصينية بنشاط على تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى أميركا اللاتينية وأجزاء أخرى من آسيا وإفريقيا، لتساعد بذلك على تمكين ما يسميه بعض النقاد “الاستبداد الرقمي”.
    وبالكاد تقتصر تقنيات المراقبة على الصين. إنها منتشرة على نطاق واسع أيضاً في المدن الأميركية. وخلال التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، نشرت وكالات إنفاذ القانون والشركات الخاصة أدوات المراقبة في كل مكان، ظاهريًا لتحسين السلامة والأمن العام والخاص. وأدت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) وما تلاها من إقرار “قانون الوطنية الأميركي” إلى تسريع انتشار هذه الأدوات بشكل كبير. ومع ذلك، يبدو أن الدعم الذي كانت تحظى به أنظمة التعرف على الوجه آخذ في الانحسار. وكانت سان فرانسيسكو أول مدينة رئيسية في البلاد تمنع وكالاتها من استخدام هذه التقنية في العام 2019. وكانت سان فرانسيسكو من بين أكبر خمس مدن تخضع للمراقبة في الولايات المتحدة عندما أيد ثمانية من تسعة أعضاء في مجلس المشرفين “قانون إيقاف المراقبة السرية”. وثبت أن التراجع عن المراقبة أمر صعب -فقد اكتشف المدافعون عن الحقوق الرقمية مؤخرًا أكثر من 2.700 كاميرا ما تزال مستخدمة لمراقبة الشرطة وأمن الممتلكات ومراقبة النقل. وفي العام 2000، رفع النشطاء دعوى قضائية على المدينة بسبب اختراقها الكاميرات الخاصة لمراقبة الاحتجاجات الجماهيرية، في تحد واضح للقانون الجديد.
    في جميع أنحاء أميركا الشمالية وأوروبا الغربية، يمكن تقطير التوترات حول المدن الذكية إلى المخاوف بشأن كيفية تمكين تكنولوجيا المراقبة من جمع البيانات الشخصية والاحتفاظ بها وإساءة استخدامها من قبل كل شيء، من وكالات إنفاذ القانون إلى الشركات الخاصة. وغالبًا ما تركز النقاشات على مدى تقويض هذه الأدوات للشفافية والمساءلة والثقة. وهناك أيضًا مخاوف (وأدلة متزايدة) حول الكيفية التي تكون بها تقنيات التعرف على الوجه متحيزة عنصريًا وغير دقيقة عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الملونين، حيث تميز بشكل خاص ضد الأميركيين الآسيويين والأفارقة. ويساعد هذا على تفسير السبب في أنه خلال العامين الماضيين، منذ أن حظرت سان فرانسيسكو تقنيات التعرف على الوجه، حذت 13 مدينة أميركية أخرى حذوها، بما في ذلك بوسطن؛ وبيركلي وأوكلاند في كاليفورنيا؛ وبورتلاند في أوريغون. وعلى النقيض من ذلك، في الصين، يبدو التحيز العنصري ميزة وليست خطأ -فهو مسجل كبراءة اختراع، ومسوَّق ومدرَج في معايير الشرطة الوطنية لقواعد بيانات التعرف على الوجه. وعلاوة على ذلك، تجلب الشركات الصينية تقنياتها إلى الأسواق العالمية.
    لكن الانشغال الضيق بتقنيات المراقبة، على الرغم من كونها مقلقة كما هي، إنما يقلل من أهمية التهديدات الأخرى الماثلة في الأفق القريب. فالمدن الذكية هي في حد ذاتها مشكلة محتملة -لأسباب مختلفة تمامًا. ذلك لأن العديد منها تقترب من حافة هاوية “إنترنت كل شيء” فائق الاتصال، الذي يأتي بمستويات غير مسبوقة من المخاطر الكامنة في اتصال مليارات الأجهزة غير الآمنة معاً. ولا تشمل هذه الأجهزة أجهزة المراقبة في الوقت الفعلي، مثل الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار وكاميرات الدائرة المغلقة فحسب؛ بحلول العام 2025، قد يكون هناك أكثر من 75 مليار جهاز متصل حول العالم، والتي يفتقر الكثير منها حتى إلى أكثر سمات الأمان بدائية. وكلما أصبحت المدن أكثر ارتباطًا، ازدادت أكثر مخاطر الضرر الرقمي الذي يمكن أن تلحقه الجهات الفاعلة الخبيثة. ولذلك، فإن المدن غير مستعدة تمامًا للثورة الرقمية المقبلة.
    تتمثل إحدى مفارقات عالم شديد الترابط في أنه كلما أصبحت المدينة أكثر ذكاءً، أصبحت أكثر انكشافاً وعرضة لمجموعة واسعة من التهديدات الرقمية. ويجري مسبقاً استهداف المدن الكبيرة والمتوسطة والصغيرة من أجل سرقة البيانات، واختراق النظام والهجمات السيبرانية، وكلها يمكن أن تقوض تشغيل المدينة وتوفير الخدمات الأساسية، وتشكل تهديدًا وجوديًا. وقد أبلغت مئات المدن في جميع أنحاء العالم عن حدوث اضطرابات رقمية كبيرة في المواقع الإلكترونية البلدية ومراكز الاتصال في حالات الطوارئ والأنظمة الصحية والمرافق التي توفر الطاقة أو المياه. وعندما يتعرض أمن المدينة للاختراق وتتعرض خصوصية البيانات للخطر، فإن ذلك يقوض ثقة السكان في الخدمات والأنظمة المتصلة رقميًا. ونظرًا لأن الناس يشعرون بمزيد من عدم الأمان، فإنهم ربما يشعرون بأنهم أقل ميلًا إلى المشاركة في الرعاية الصحية عبر الإنترنت، أو المرافق الرقمية، أو فرص التعلم عن بُعد، أو الخدمات المصرفية الإلكترونية، أو المبادرات الخضراء -وهي المبادئ الأساسية للمدينة الذكية. وفي حين أنه لا يمكن مواجهة جميع التهديدات الرقمية، تحتاج المدن إلى بناء قدرة قوية لردع الهجمات والاستجابة لها والتعافي منها، مع الحفاظ، بأقصى قدر تستطيعه، على حماية البيانات والخصوصية.
    كبداية، تحتاج سلطات المدينة والشركات والمقيمون إلى تصميم الأمن الرقمي في جميع مجالات الحوكمة والبنية التحتية والتجارة والمجتمع. وكحد أدنى، يجب أن تتجنب تقنيات المدن الذكية الجديدة تعزيز المراقبة غير المتناسبة التي تقوض الحريات الأساسية، وخاصة الخصوصية. ويجب على الحكومات الوطنية والإقليمية وحكومات المدن أيضًا أن تتبنى وتفرض المعايير التي تتطلب أن يكون لجميع الأجهزة المدعومة بالإنترنت والتي يتم بيعها ونشرها في ولاياتها القضائية حد أدنى من الحماية بكلمة المرور، والتحقق من المستخدم والتشفير، والتي تكون مدمجة في بنيتها. ومن الضروري أن تشجع المدن محو الأمية الرقمية عبر السكان، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، بما أنه يمكن الحد من العديد من الأضرار الرقمية المحتملة من خلال الوعي الأساسي والتدابير الاحترازية.
    لكي تصبح أكثر ذكاءً، تحتاج المدن إلى معرفة نقاطها العمياء. ويتطلب ذلك إجراء مراقبة في الوقت الفعلي لتعيين مدى ضعف الأجهزة اللاسلكية في بيئتها. ويجب أن تكون المراقبة السلبية عبر الشبكات اللاسلكية الواسعة للكشف عن تسرب البيانات ممارسة روتينية -وأن يتم شرحها بشكل مناسب للمواطنين. وسوف تحتاج المدن إلى الاستثمار في الاستجابة الآلية للحوادث وفي تحديد وإصلاح نقاط ضعفها فيما يتعلق بالشبكات والأجهزة. وفوق كل شيء آخر، سوف تحتاج المدن إلى أخذ المخاطر الرقمية على محمل الجد وفرض متطلبات الأمان عبر جميع الأجهزة المتصلة، من المراقبة الصحية إلى الماسح الضوئي للتذاكر إلى الثلاجة المتصلة بالإنترنت، في النظام الإيكولوجي لأي مدينة ذكية. ويمكن أن يأتي السعي إلى مدن أكثر ذكاءً -ولا ينبغي أن يفعل- على حساب السلامة، أو الخصوصية أو الحرية. وفي الحقيقة، سيكون الفشل في إعطاء الأولوية لرفاه الإنسان وأمنه في عالم يتزايد فيه التعقيد بشكل استثنائي حماقة خطيرة للغاية.

*Robert Muggah: مدير في SecDev Group، وأحد مؤسسي “معهد إغرابه”، ومؤلف مشارك مع إيان غولدين لكتاب “الأرض المجهولة: 100 خريطة للبقاء على قيد الحياة في المائة سنة التالية”. Greg Walton: زميل في مجموعة SecDev وباحث في معهد أكسفورد للإنترنت.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: ‘Smart’ Cities Are Surveilled Cities

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock