ترجمات

المدن ستسجّل عودة بعد فيروس كورونا.. هكذا كان شأنها دائماً

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ميغان ماكاردل – (الواشنطن بوست) 4/6/2020

على المدى الطويل، من المؤكد أن المدن سوف ترتد عائدة إلى الحياة، لأن المدن، على المدى الطويل، دائماً ما ترتد عائدة مرة أخرى، بغض النظر عن كم قد يبدو ذلك غير مرجح في الوقت الحالي.
عانت روما من قرون من الأوبئة وتعرضت للكثير من حملات النهب. وحتى مع أن عدد سكانها انخفض لبعض الوقت إلى درجة أن أنشطة رعي الماعز وزراعة الكروم كانت تتم داخل الجدران الأوريليانية، فإنها الآن أكبر مما كانت عليه في أي وقت مضى. يمكن أن تسقط مدن فرادى، أو حتى تختفي من الوجود، لكن “المدينة” على مدار تاريخ البشرية كانوا تنمو فحسب، على الرغم من نبوءات أجيال لا تحصى من ذوي الأخيلة الرعوية.
سوف يخبرك بشيء استمرار الجنس البشري في التقاطر على الشوارع القذرة والمنازل المزدحمة التي بلا تهوية على مدى كل تلك القرون التي تصرّمت قبل اكتشاف المضادات الحيوية وأنظمة الصرف الصحي. لكَم يجب أن تكون فوائد العيش بالقرب من الآخرين هائلة، ولكَم من الصعب التخلي عن ذلك، خاصة عندما ينخرط هؤلاء الآخرون في الحرفة نفسها التي تزاولها.
كتب الاقتصادي العظيم في القرن التاسع عشر، ألفريد مارشال: “عندما تختار صناعة ما مكاناً لنفسها، فالمرجح أنها ستبقى هناك لفترة طويلة: عظيمة جداً هي المزايا التي يجنيها الناس الذين يزاولون الحرفة الماهرة نفسها في حيّ قريب واحدهم من الآخر. عندئذٍ، أسرار الحرفة لا تعود أسراراً؛ وإنما تصبح وكأنما هي في الهواء، ويتعلم الأطفال الكثير منها بلا وعي”.
لذلك، كن متشككاً عندما ينظر الناس إلى كوارث هذا الربيع ويقترحون أن عقد السبعينيات قد عاد وأن “المدن انتهت”. لقد أصبح “التريُّف” أصعب مما يبدو في الحقيقة.
كنتُ أكتُب دائماً عن الأعمال التجارية والسياسة العامة، ولكن، بعد أن انتقلت من نيويورك إلى واشنطن، لاحظت أنني كلما مكثتُ هنا فترة أطول، زاد الغموض الذي يخالطني حول ما يحدث بالضبط في “وول ستريت” -وأصبحت أقل صبراً إزاء السذاجة السياسية لسكان نيويورك. وإلى أن تغيرت آليات تصفية المعلومات من خلال شبكاتي الاجتماعية، لم أكن أعلم كم كنت أمتص من المعرفة على كوب كوكتيل ومع أكواب الكابتشينو. هذه التفاعلات هي السبب في أنني ما أزال أقطن في واشنطن، على الرغم من أنه كان بإمكاننا شراء ضعف مساحة المنزل بنصف التكلفة في مكان أصغر.
من المفيد أيضاً أن يكون لديك أصدقاء شخصيون من مجال عملك إذا كنت بحاجة إلى تغيير الوظائف، وهي ظاهرة تشكل جزءًا مما يسميه الاقتصاديون “المطابقة”. وتعمل مطابقة العمالة على تثبيت الشركات في مكانها بقوة تماماً مثل الناس، وهذا هو السبب في أن التكنولوجيا الكبيرة ما تزال في وادي السيليكون، والتمويل في نيويورك، على الرغم من إغراء العقارات الأرخص في أماكن أخرى. ويمكن القول بأن تدفق الأفكار والعمل بين الصناعات يضيف قيمة أكبر، حيث تجعل الصلات غير المتوقعة أشياء جديدة تماماً ممكنة. وهذا هو السبب في أن الدخل والإنتاجية يكونان أعلى بكثير في المدن منهما في المناطق الريفية، وفي أن هذا الاختلاف ازداد مع توسع المدن العالمية العملاقة.
من المؤكد أن فيروس كورونا المستجد ألغى -مؤقتاً- العديد من المزايا ووسائل الراحة التي يتيحها التكتل الحضري. كما أنه يخفض أيضاً تدفقات الهجرة التي أبقت على الخدمات رخيصة ووفيرة للطبقة المهنية الحضرية المتنامية باستمرار. وسيكون من الصعب إعادة فتح هذه الصنابير طالما بقي الفيروس مستوطناً في العالم النامي -كما سيفعل على الأرجح، بعد فترة طويلة من تمكن أميركا من إخماد الوباء.
في هذه الأثناء، سوف تظل مكامن التوتير في حياة المدينة باقية: الجحيم هو الآخرون، كما كتب سارتر، وخاصة عندما تشاركهم حافلة تعبر المدينة. وهم جهنميون حقاً مع وجود فيروس مميت. وقد دفعت هذه المضايقات الطبقة الوسطى إلى الخروج في منتصف القرن، وسرعان ما تصاعدت معدلات الجريمة، وأعمال الشغب. فلماذا لا نتوقع رؤية نزوح ثانٍ، الآن في الوقت الذي تجعل فيه البرمجيات العمل من أي مكان تريده أسهل من أي وقت مضى؟
على المدى القصير، ربما نفعل. وقد انخفضت الإيجارات في سان فرانسيسكو بنسبة 10 بالمائة تقريباً في أيار (مايو)، بعد أن أعلن عمالقة التكنولوجيا أنهم سيجعلون ترتيبات العمل من المنزل دائمة. ولكن، بطبيعة الحال، سوف يجعل انخفاض الأسعار المدن أكثر جاذبية على الرغم من انخفاض وسائل الراحة؛ لهذا السبب بقي الناس في ديترويت -حتى عندما غادرتها الوظائف.
كما أن مشكلات المدن ليست بذلك القدر من القتامة الذي كانت عليه في الستينيات. ولا يشكل تطبيق “زوم” ببساطة حدثاً ثورياً مثلما كانت السيارات. كانت السيارة أفضل من العربات التي تجرها الدواب في كل بُعد تقريباً. لكن “زوم” يزيل الإشارات الاجتماعية الحيوية ويتجاهل المحادثات غير الرسمية عند وعاء القهوة في المكتب، الذي يمكن أن يثير أفكاراً جديدة أو يستدعي حلولاً للمشكلات القديمة. وقد يؤدي في النهاية إلى زيادة المكاتب الصغيرة؛ لكن من غير المرجح أن يحل محلها بالكامل.
ومع ذلك، لا شك في أن البعض سوف يحزمون حقائبهم ويغادرون في المستقبل القريب. لكن التهديد الفيروسي يغلِبُ أن يذهب في نهاية المطاف، إما لأننا سنكون قد حصلنا جميعاً على لقاح، أو لأننا سنكون قد أصِبنا جميعاً بـ”كوفيد-19″. وسوف يتذكر “المتريِّفون” أنك ما تزال لا تستطيع بسهولة أن تشرب الكوكتيل، أو تعثر على رفيق، أو ترتب مع العملاء المحتملين أو تتناول وجبة من خلال “زوم”. وعندئذٍ سوف تنمو المدن مرة أخرى، كما كان حالها دائماً على مدى آلاف السنين، حتى على الرغم من أي تهديدات أكثر رعباً من “كوفيد-19” أو من الشرطة المسيئة: لأن ما يوجد هناك لا يوجد في أي مكان آخر إلا -ربما- في مدينة أخرى.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Cities will make a comeback after the coronavirus. They almost always do.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock