أفكار ومواقف

المدينة الإدارية الجديدة.. المشروع المتأخر أصلا

سامح المحاريق

على الرغم من مضي أكثر من ثلاثين عاماً ما يزال إسكان أبو نصير نموذجاً في التطوير الحضري من خلال تصميمه والمزايا التي يقدمها لساكنيه وتعدد خيارات الوحدات السكنية، ولا يمكن قياساً بالمشاريع في دول أخرى أن يعتبر إسكاناً شعبياً، فهو أقرب إلى متطلبات الطبقة الوسطى، وهو الأمر الذي يدفع للتساؤل حول عدم التوسع في مشروعات مماثلة خلال العقود الأخيرة.

توجد أسباب تعود لثقافة المواطنين في مرحلة ما، وعدم رغبتهم في الحصول على بيوت متشابهة، وهذه الثقافة تغيرت نسبياً مع وجود مشروعات المجتمعات المغلقة في دول كثيرة، وقيام المطورين العقاريين بتطوير الفكرة وتحسينها بصورة مستمرة، ولكن بخصوص الدولة فالمشكلة تكمن أساساً في الرغبة من التحرر من تكلفة التخطيط المركزي والتدخل الواسع في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، فالدولة باستثناء مشروع سكن كريم لعيش كريم لم تتدخل عملياً لمقاربة حلول لمشكلة الإسكان، والمشروع واجهته مشكلات كبيرة منها ذهنية المقاولين الأردنيين وثقافتهم، في حين أن مشروع مثل أبو نصير عملت فيه شركات صينية وتركية تمتلك الخبرات الكافية في هذه النوعية من المشروعات.

أنهكت عمان من سوء التخطيط، وتعرضت لغزو ممنهج أتى على الأراضي الزراعية في المناطق الغربية من المدينة، وأخذت مناطق كاملة تظهر خلال سنوات في عمليات بناء نهمة تستغل فورة الطلب على العقارات، والنتيجة نراها ونعايشها بصورة يومية، والحقيقة أنه لا يمكن ادعاء الحكمة بأثر رجعي، فالمدينة شهدت نمواً سكانياً فائقاً ومتسارعاً وغير متوقع أو مخطط أحياناً، ولذلك فالسؤال يجب أن ينصرف حول القادم.

مدينة إدارية جديدة، الاقتراح في حد ذاته معقول بل ومطلوب، ولكن معطيات المالية العامة غير مشجعة، ولا تبدو قدرتنا على استقطاب المطورين العقاريين مبشرة، خاصة مع وقوف العديد من المشاريع في مراحل التشييد في الدوار السابع ودوار الداخلية، ومشروع مثل بورتو البحر الميت يشهد تباطؤاً قياساً بنفس المشاريع التي اشتغل عليها المطور نفسه في أكثر من بلد آخر، كما أن الباص السريع بوصفه آخر المشروعات الكبيرة التي أنجزت أتى بنتائج مخيبة كثيراً في تكلفته ومدة تنفيذه والعائد من ورائه.

التأجيل، والإعلان في حكومة ثم النفي في أخرى، والعودة إلى التلميح، كلها إجراءات غير صحية، ويمكن أن تدفع إلى التخمين والمضاربة على أساس التوقعات بخصوص موقع الانتقال إلى مدينة جديدة، ولذلك فإن أفضل ما يمكن فعله هو وضع التصورات الأساسية مترافقة بحجر الأساس لتبدأ عملية توجيه الاستثمارات الكبيرة والصغيرة تجاه المنطقة، وليس من الضروري، أن نذكر أنها لا يجب أن تمثل قضماً لمناطق زراعية وأنها يجب أن تكون مستوية قدر المستطاع ومربوطة بخطوط مواصلات منتظمة مع المدن الرئيسة القريبة.

نحتاج إلى مشروعات وطنية، ويمكن استصدار سندات لتمويلها يقتنيها المواطنون، وتكون مخصصة للمشروعات تحديداً وليس لتمويل الخزينة ومشكلاتها السابقة، ويجب ألا يقف التأخير والمشاكل التي شهدتها مشاريع سابقة عائقاً، والواجب هو تلخيص الدروس المستفادة ووضعها على الطاولة وتجنبها بصورة حثيثة.

توجد أولويات عابرة للحكومات، ولا يمكن أن تترك لتوجه حكومة أو أخرى، وهذه معضلة سياسية أردنية استدعت أساساً الإصلاح السياسي، فمن غيره لا يمكن لأي حكومة أن تتخذ الخطوات الجريئة وأن تخوض في المشروعات الكبرى.

المقال السابق للكاتب

الوجبة القادمة من التعديلات الدستورية

للمزيد من أخبار الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock