ثقافة

“المرأة تروي سيرة المدن”.. احتفاء بمدينة إربد

عزيزة علي

عمان- نظم منتدى الرواد الكبار أول من أمس، احتفالية بمدينة “إربد”، ضمن برنامجه الثقافي “المرأة تروي سيرة المدن”، تحدث فيها كل من: الفنانة التشكيلية نعمت الناصر، والناقدة د. دلال عنبتاوي، وأدارتها المستشارة الثقافية للمنتدى القاصة سحر ملص، إلى جانب عرض فيلم عن مدينة إربد.
ملص قالت: إربد عروس الشمال ذات التربة الحمراء الخصبة قد انجبت العديد من الشعراء والكتاب والفنانين ورجالات الدولة من سياسيين ومفكرين، وأصبحت سيدة المدن، يذهب إليها القلب ويقصدها طلاب العلم، وهي مدينة صانعة الرجال والنساء، نحتفي بإربد التي تم اختيارها “عاصمة الثقافة العربية”.
الناقدة عنتباوي استعرضت تاريخ مدينة إربد جغرافيا وتراثيا عمرانيا وحضاريا، مبينة أن المدن مثل البشر تبدأ صغيرة ثم تنمو وتكبر ويشتد عودها وتصبح ناضجة جميلة بهية مثل امرأة يتفتح شبابها، ولكن قد يزورها الهرم فتكبر وتشيخ وتصبح بحاجة لرعاية خاصة، وهذا ما يجب أن يقوم به أبناؤها تجاهها فيقدمون لها الرعاية والبر والوفاء والمحبة.
وقالت سأروي حكايتها معي “إربد”، التي هي مدينتي الأولى في حياتي، والتي تفتح قلبي وعقلي عليها، وهي في ذاكرتي منذ بدايات تفتح وعيي، أحكيها الآن، أحكي عن تلك المدينة الهادئة الوادعة، أبدأ من أرضها أصف سهولها التي هي امتداد سهل حوران الطافح بالقمح الذي كان يفيض من خيراته على كل المناطق من حوله أصف تربتها الحمراء والتي نذكرها بدعابة خاصة “إربد تربتا حمرا” وهي فعلا كذلك، وفي الحقيقة لم يأت تداول هذه العبارة وتناقلها على المستوى الشعبي من العبث فلها ما يؤكدها من خلال تعلقه مع اسمها، إذ تختلف الروايات في تسمية المدينة، ويعود تاريخ المدينة الى العصر الحجري البرونزي الأول حوالي 2500 قبل الميلاد، وكانت المدينة محاطة بسور ضخم بني من حجارة بازلتية سوداء.
وأضافت عنبتاوي ما أسرده وأحكيه عن إربد الآن ومازال يعيش في ذاكرتي، إربد التي كانت محاطة بالسهول المزروعة بشتى أنواع الخضراوات بدءا من القمح والفول والحمص والعدس والقثاء وعلى امتداد النظر وكان السير بها لا يتعب من يود أن يزرعها من كل الجهات، فقد كانت مدينة بسيطة صغيرة ولم تكن قد امتدت بعد، ففي بدايات التفتح فيها كنا نذهب الى المدرسة مشيا على الأقدام وكانت حركة المواصلات بسيطة تقوم على استخدام “السرفيس” بشكل عام سرفيس الحي الجنوبي والشمالي، والغربي الذي كان يعمل على ربط المناطق ببعضها البعض كانت هناك مكاتب للتكسي الأصفر لكنها قليلة، أذكر منها تكسي الرشيد وتكسي البرق.
وأشارت إلى أبرز معالم إربد التراثية التي تحتضن مدينة إربد عدداً كبيراً تجسّد التاريخ العريق للمدينة وتبين مدى العمق الحضاري الذي بلغته، مثل “متحف دار السرايا، تل إربد، متحف الآثار في إربد، المسجد المملوكي القديم، منزل الشاعر الأردني عرار، سوق الصاغة القديم، لافتة إلى التل الصناعي وهو أثر قائم في إربد ويحمل في جوفه بقايا المدينة القديمة “مطحنة الملقي”، وهي أهم مراكز اقتصادية في المدينة، وأيضا خان حدو، وهو أول مركز مواصلات في المدينة، وكان صلة الوصل ما بين البلدة والمناطق المحيطة، وهو قائم إلى الآن ويشغله متجر لبيع فراء الخراف.
وواصلت عنبتاوي حديثها عن معالم في عروس الشمال إربد “سوق الصاغة”، القديم كانت ساحته المبلطة بالحجر الأسود الذي يعود تاريخه إلى بدايات هذا القرن، وتشوه كثيراً عن طريق استخدام الدهان واقتلاع حجارة الساحة وتغطيتها بالإسفلت، مشيرة إلى انه تم هدم أكثر من نصف منزل “عرار”، وتحول ما هدم إلى محلات تجارية، ونُزل غزالة هو أول نُزل في البلدة كان ضيوف إربد ينامون فيه، والسرايا القديمة التي هي شاهد كبير على تطور المدينة، والتي يعود تاريخها إلى العهد العثماني، وكانت مراكز الحكم ومجمعا للدوائر الرسمية، ويشغلها حاليا سجن إربد. منزل علي خلقي الشرايري: ويشكل نموذجا فريدا للفن المعماري في تلك الحقبة، وقد هدمت أجزاء كبيرة منه.
من جهتها تحدثت الفنانة التشكيلية نعمت الناصر بحميمية عن تلك المدينة التي نشأت فيها وتعلمت السير على الاقدام، حتى أصبحت تتم كل أمورها سيرا على الاقدام قائلة: “كل أموري كنت انجزها سيرا على قدمي بدون استخدام أي مركبة آلية، هكذا علمتني طبيعة مدينتي إربد السهلية لهذا بقيت قدماي قويتان، فقد نشأت فيها بفترة زمنية كان الجميع يمشي ولم يكن فيها سوى بضع سيارات وبعض الباصات للسفر خارجها إلى عمان أو دمشق، كانت إربد مدينة صغيرة وادعة أهلها يعرفون ويحيون بعضهم بعضا اثناء المسير”.
تابعت الناصر “إربد علمتني البساطة والاستقامة وحب العمل، استمتعت بطبيعتها وبيوتها المميزة البيضاء والسوداء والوردية وبالعرائش التي زرعتها سواعد ربات البيوت على مداخلها، احفظها شبرا شبرا ومجرد وصولي لها لبيتنا تسوقني قدماي نحو السوق القديم لأتسوق منه، ولأتفقده إذ هدموا منه جزءا فأنا احفظ كل ركن وزاوية فيه.
وقالت الناصر أنها أول من انتبه انهم هدموا سينمات إربد القديمة، فالسينما التي قامت بالخمسينيات بتوصيل الكهرباء لبيوت إربد قبل شركة الكهرباء.. هذا الشارع المعلم، وكانت سببا لتسميته بهذا الاسم، لم يعد فيه سينما، ولكن بقي اسمه شارع السينما بالنسبة لأهل إربد رغم وجود تسمية رسمية حكومية له.
وتابعت “منذ طفولتي ولأنني شبعت من قمحها وخبزها الأسمر عرفت طعمه وميزته عن أي خبز آخر، صرت أعلم أن الخبز الأسمر في المخابز الآن مصبوغ باللون البني للإيحاء بأنه قمح حقيقي لأنه ليس قمح حوران، مبينة أن لون تراب إربد شبيه بلون الشوكولاتة التي اعشقها، ولطالما اخافني شدة تبلله بالمطر عندما كنت طفلة من أن تعلق قدماي الصغيرتين فيه ولا استطيع اخراجهما منه”. وأشارت الناصر إلى أن والدها كان يقوم في بداية الخريف برصف الارض الطينية بالحجارة من مدخل بيتنا (بيت نجم الدين حاليا) حتى شارع الاسفلت حتى نستطيع السير فوقها عند الذهاب للمدرسة وحتى لا تغرق أرجلنا بالطين، مبينة أن إربد الآن ممتلئة، بالسيارات لا أحد يمشي فيها إلا انا، تنافس شديد بين أهلها على لا شيء، على أولوية المرور من نفس الشارع، الجميع غاضبون من بعضهم البعض يريدون ان يكونوا مثل أهل عمان، لاعتقادهم ان العمانيين سعداء.
تابعت الناصر كل هذا أشاهده واتركه ورائي وأكمل السير، أسرع ثم أسرع حتى أصل السهل حيث الامتداد الشاسع والسماء الصافية، اعتقد ان هذا المشهد اليومي الذي كنت اعيشه منذ طفولتي هو سبب إلهامي وحبي للفن والرسم، فالسهل صفحة فارغة اضع فيها ما اريد بها من عناصر. قمح، احجار، جلتون، دحنون، قثاء، وأطفال يلعبون.
وخلصت الناصر إلى أن الفلاحين الآن يسكنون بالعمارات التي زرعوها فوق أراضيهم الطينية الزراعية المنتجة للقمح، أما الخبز فقد استوردوه من دول تحارب بعضها بعضا، والله اعلم ان كانوا سيحصلون عليه بعد الآن أم لا!!، ونظرت لكل هذا التغيير المريع، مضيت امشي على قدمي ثانية لعلي أجد سهلا آخر فارغا من البناء حتى ولو كان بعيدا.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock