فكر وأديان

المرأة في الإعلام الإسلامي

محمود أبو فروة الرجبي*

الإعلام الإسلامي ككل بدأ متأخراً، وقد فطنت القلة القليلة من الإسلاميين لأهميته متأخرة، وعمل المرأة في وسائل الإعلام الإسلامية واجه معارضة شديدة من بعض العاملين الذكور في هذه الوسائل، ووصلت هذه المعارضة إلى بعض المشاهدين، والمستمعين، وكذلك جزء لا بأس به من العلماء، كما ان هناك قنوات فضائية ما تزال تحرم حتى ظهور المرأة على شاشاتها، ومن تجرأ ووافق على ذلك ربما وضع شروطاً فيها مبالغة كبيرة، وهناك قلة قليلة جداً يمكن ان تسمح للمرأة بالظهور على الشاشة، لكن إذا كانت جميلة فيصبح الأمر صعباً، وممنوعا!
إضافة إلى ذلك فإن هناك معارضة من بعض النساء لعمل المرأة في وسائل الإعلام الإسلامية، بعضها له علاقة بالاعتقاد ان في ذلك مخالفة شرعية، والبعض الآخر للتخوف من شبهة الوقوع في الحرام، أو في مشكلات اجتماعية، نظرا لما رسخ من صورة سلبية حول الإعلام، والأدب، والفن في عقول الناس، وهناك بعض النساء ممن يحملن أفكاراً اجتماعية معينة، تعتقد أن المرأة غير مهيأة للظهور في وسائل الإعلام، وهذا ليس من عملها، أو تخصصها -حسب هذا الاعتقاد.
ومع ذلك فهناك وسائل إعلام توظف المرأة للظهور على الشاشة، وأخرى من وراء الكواليس، وهناك عدة ملاحظات في هذا المجال:
أولاً: ثمة اعتقاد بحرمة عمل المرأة في وسائل الإعلام، وعند البحث عن الأدلة حول هذا الأمر، يشار إلى عدة أمور منها ان صوت المرأة عورة، ولذلك فيحرم عملها في العمل الإذاعي مثلاً، أو ان الاختلاط حرام، والعمل الإعلامي فيه اختلاط وأن ما أدى إلى حرام فهو حرام، أو من باب سد الذرائع، ولن يتسع هذا المقال لمناقشة هذا الموضوع، ولكنني سأقوم بمناقشته بالتفصيل، مع وضع آراء العلماء حوله في كتابي (الإعلام الإسلامي- نظرة مختلفة)، مع الإشارة السريعة إلى أنه ليس هناك أدلة على ان صوت المرأة عورة، أو ان الاختلاط حرام أصلاً، وهناك فرق بين الاختلاط والخلوة الشرعية، وهذه المسألة تختلط على الكثيرين، والصورة تحتاج إلى تصحيح في أذهان العامة.
ثانياً: بعض الناس يعتقد ان المرأة قاصرة، ولا تستطيع ان تكون صانعة خطاب، فالذي يعمل في وسيلة إعلامية، سواء كان معدا، أو مقدماً، أو كاتباً فهو يصنع المضمون، والمحتوى الذي يظهر للناس، والمرأة غير قادرة على ذلك، والرد على هذا بسيط، ولا يحتاج إلى كثير من التعب، فيمكن لأي كان ان يزور أي جامعة أردنية مثلاً، ويقارن بين علامات الطلاب، والطالبات – إذا اعتبرنا ان هذا مؤشر- ليدرك عدم وجود فوارق تذكر بين الجنسين، وان كانت موجودة فإنها تميل لصالح الإناث، وكذلك الأمر في مختلف جوانب الحياة التي دخلتها المرأة والتي أثبتت فيها حضورا، وتميزا لافتاً.
ثالثاً: الذكورية في التفكير التي تجعل من المرأة عنصراً قاصراً، تابعاً، غير قادر على الإنتاج، بل إن هناك بعض المدارس الفكرية الإسلامية التي تشير إلى ان المرأة صاحبة سريرة خبيثة، ولا تؤمن على عرضها، وشرفها، وهذا ظلم شديد ليس للمرأة فقط، بل للدين، فالمرأة والرجل هما عنصرا أي فساد أخلاقي يحصل، ولا يمكن بحال تحميل المرأة وزر ما يحصل الا من قبل أناس يحتاجون إلى مراجعة شاملة في طريقة التفكير، والدين لا يحمل أيّا من الجنسين المسؤولية الأخلاقية بعيداً عن الجنس الآخر، ولكن هناك من يعمل دائماً على تحميل الطرف الأضعف اجتماعياً مسؤولية الأخطاء. والمشكلة ان معظم أصحاب رؤوس الأموال الذين يستثمرون في الإعلام يؤمنون بهذا الفقه.  
وهذه الذكورية للأسف غير مقتصرة على تفكير الرجال، بل ان هناك نساء مقتنعات بذلك، ويدافعن عن عدم السماح للمرأة بأخذ دورها في مختلف مجالات الحياة، ومنها الإعلام، وهذا يُعزى في أحد أسبابه إلى التربية الذكورية في مجتمعاتنا، والتي تعمل على تضخيم دور الرجل، وتعظيمه، وفي الوقت نفسه تحقير المرأة ودورها، وكل ذلك ناشئ من التخلف الذي عاشته أمتنا لقرون طويلة، وكذلك لغياب المرجعية الحضارية التي تعمل على المساواة بين الجميع بغض النظر عن الجنس، أو اللون، أو الدين، أو أي سبب آخر.
رابعاً: هناك غيرة، وتخوف من بعض الذكور العاملين في الإعلام الإسلامي من عمل المرأة حيث سيشكل هذا منافسة غير محمودة لهم في أعمالهم، وإذا عرفنا ان فرص العمل في وسائل الإعلام الإسلامية قليلة، وربما كانت نادرة، والأجور فيها متدنية في الغالب، ومن الشائع في هذه الوسائل أن يتم التعامل بأسلوب (التبخيس) مع المنتجات الإعلامية التي ينتجها الأفراد، – الا من رحم ربي- فإن هذا قد يؤدي إلى خشية من المنافسة من الجنس الآخر.
ومع ذلك فهناك وسائل إعلام إسلامية تدرك أهمية المرأة وتتيح لها الفرصة للعمل فيها، مع اعترافنا ان الأمر ما يزال قليلاً، ولم تصل بعد المرأة في هذه الوسائل إلى مراتب تستطيع ان تكون فيها صانعة قرار، مع الإشارة أيضاً إلى ان الإعلام العربي بشكل عام يعاني من هذه المسألة، ولكن بشكل أقل من الإعلام الإسلامي.
وهذه الوسائل التي تتيح للمرأة العمل فيها تضع قواعد صارمة لها، تخرج في بعض الأحيان عن حدود ما يطلبه الشرع، أو ما تقتضيه المهنية الإعلامية، لذلك فتجد الإعلامي الرجل يعمل بحرية نسبية، بينما المرأة تفكر ليل نهار بطريقة تستطيع بها الا تخالف القيود المفروضة عليها.
المرأة عنصر مهم في الحياة، ووجودها في الإعلام الإسلامي يثريه، ويساعده على التطور، ونحتاج إلى إعلاميين شجعان يقفون في وجه أعداء المرأة، وعلماء يمتلكون الجرأة ليعلنوا للناس جميعاً ان المساواة بين الرجل والمرأة مطلوبة، وواجب، وان الدين لا يقف في وجهها.
يفترض ان من يعمل في الإعلام يكون أكثر تطوراً من غيره، وهو من النخبة التي تؤثر في المجتمع وتعمل على تطويره، أما إذا رأينا من يعمل في الإعلام ويعتقد ان المرأة أقل من الرجل فهذه مصيبة، وتحتاج إلى مناقشة، ومراجعة، ولنا في الحديث بقية في الأسابيع المقبلة – بإذن الله-.

* كاتب أردني

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock