أفكار ومواقف

المرأة والحياة السياسية

تعتبر الاحزاب السياسية الشكل الأرقى للتعبير عن مصالح مختلف الطبقات والفئات التي يتكون منها المجتمع. لذلك من الطبيعي ان تشهد المجتمعات الطبقية ولادة احزاب وتنظيمات تعبر عن مصالح مختلف الطبقات والفئات، وان تتعرض هذه الاحزاب في ظل انعدام الديمقراطية والتعددية السياسية الى القمع والاضطهاد. فالاحزاب السياسية ركن اساسي في المجتمع المدني، هذا المجتمع الذي يقوم على المؤسسات ويحصن الجماهير ضد التسلط والقمع. إن التعددية السياسية هي الرافعة الاساسية في تعميق النهج الديمقراطي وترسيخه.


لقد شهد الاردن على امتداد سبعين عاماً ولادة عدد من الاحزاب السياسية الوطنية، قسم منها لم يعمر طويلاً بسبب ظروف القمع، وقسم منها استطاع، رغم جميع اشكال القمع والتضييق والسجن والاعتقال، ان يصمد ويترعرع ويضرب بجذوره عميقاً في ارض الاردن، تحميه وتصونه الجماهير الشعبية التي دافع عن مصالحها فمدته بخيرة ابنائها وبناتها، ولي الشرف ان اكون بين صفوف احد هذه الاحزاب وهو الحزب الشيوعي الاردني.


لعل المشكلة الأهم التي تواجه العمل الحزبي في الاردن، تتمثل في التعتيم القسري الذي مارسته مؤسسات الاعلام والتعليم والثقافة الرسمية الاردنية على تاريخ العمل الحزبي في الاردن وفي بلاد الشام عموماً، على امتداد القرن العشرين، وانهماك هذه المؤسسات وخصوصاً في العقود الثلاثة الاخيرة في عملية غسل للذاكرة الوطنية من اي اثر للعمل الحزبي، وحقن هذه الذاكرة بموقف معادٍ للاحزاب والعمل الحزبي من حيث المبدأ، باعتباره خروجاً على الوطنية، وبدعة طارئة على تاريخ الوطن ومنافية لمصالحه.


غير ان الحقيقة التاريخية تدحض كلياً هذا النهج، فالاحزاب السياسية في المنطقة العربية هي الوليد الشرعي للنضال القومي التحرري العربي، ضد الامبراطورية العثمانية، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد لعبت هذه الاحزاب بصيغها واسمائها المتعددة، دوراً بارزاً في تأجيج هذا النضال الوطني التحرري وفي قيادته، وبلورة أطره الفكرية والسياسية والتنظيمية، وخصوصاً اثناء الحرب العالمية الاولى وبعدها، حين انخرط معظم هذه الاحزاب والجمعيات، والنوادي والتنظيمات في اطار المؤتمر الوطني السوري الاول، الذي انعقد في دمشق عام 1920 واعلن استقلال البلاد السورية ووحدتها، وبايع الملك فيصل الاول ملكاً عليها، وأسس اول حكومة عربية مستقلة بعد الحرب الكونية الاولى في كل بلاد الشام.


وعندما أجهز التحالف الاستعماري الانجلو فرنسي على هذا الانجاز التحرري العربي، وفرض معاهدة سايكس بيكو على المشرق العربي، استأنف جنوب بلاد الشام ممثلاً بفلسطين وشرق الاردن، نضاله الوطني في الظروف المستجدة تحت الاستعمار البريطاني.


وفي هذه المرحلة ايضاً، كان للاحزاب السياسية حضورها ودورها النضالي. وهنا في شرق الاردن على وجه الخصوص، فان حزب الاستقلال هو الذي شكل الحكومة الاردنية الاولى في ظل الامارة برئاسة رشيد طليع.


وبتأثير افكار ثورة اكتوبر الاشتراكية، وخاصة حق الشعوب في تقرير مصيرها واقامة دولها المستقلة، وفضح اتفاقية سايكس بيكو، تشكل مزاج عام لدى الجماهير ناقم على القوى الاستعمارية والامتيازات التي اغتصبتها في الاراضي العربية.


غير ان النشاط الوطني الاردني لم يأخذ طابعه المؤسسي والجماهيري، الا بعد فرض المعاهدة البريطانية الجائرة على شرق الاردن عام 1928. فالجماهير الاردنية بقطاعاتها كافة، رفضت هذه المعاهدة وناضلت من اجل اسقاطها، وانهاء الانتداب البريطاني. فكان ان تنادت القوى الوطنية الاردنية في 25 تموز عام 1928 وعقدت مؤتمرها الوطني الاول في عمان، برئاسة الشيخ الجليل حسين الطراونة، وصدر عن هذا المؤتمر، الميثاق الوطني الذي بقي برنامجاً وطنياً لسنوات طويلة.


وبعد حين تحولت اللجنة التنفيذية المنبثقة عن المؤتمر الى حزب سياسي، حمل اسم حزب اللجنة التنفيذية. والى جانب هذا الحزب، وفي سياق النضال ضد الانتداب البريطاني، ومن اجل بناء الاردن الوطني المستقل، تأسست عدة احزاب اردنية، استمرت في نشاطها طوال الثلاثينيات والاربعينيات. ومع ان هذه الاحزاب تميزت بضعف تنظيمي وضبابية فكرية وسياسية، الا انها كانت ظاهرة اردنية سياسية اصيلة تستحق التأريخ والدراسة والتدقيق.


لكن الحياة الحزبية في الاردن تبلورت وتجذرت تنظيمياً وفكرياً وسياسياً في الخمسينيات، فالنكبة الفلسطينية عام 1948 وما تلاها من نتائج وحقائق ومستجدات، افضت الى تبدل كبير في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الاردن. وقد تمثل هذا التبدل، في احد وجوهه، بانتعاش الحياة السياسية واكتسابها طابعاً جماهيرياً، واغتنائها بخبرة وتجربة العمل الحزبي في فلسطين، والذي كان اكثر عمقاً واكثر نضجاً مما كان عليه الحال في شرق الاردن. وفي النتيجة فان الحياة الحزبية في الاردن غدت في الخمسينيات مؤسسية وجماهيرية ومتبلورة على المستوى الفكري والسياسي وكان نضالها متمركزاً على المحاور التالية:-


1 – القضية الفلسطينية.


2 – استقلال الاردن والغاء المعاهدة البريطانية وانهاء النفوذ الاجنبي.


3 – المهام التحررية العربية بما فيها الوحدة العربية.


4 – الدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية.


تأثير الأوضاع السياسية على المرأة


نتيجة للارتباط المباشر للساحة الاردنية بالنضال الفلسطيني، ونضال حركة التحرر العربية في سبيل القضية الفلسطينية، فلقد ارتفعت السوية العامة لنضال المرأة في الاردن. اذ لم يمر حدث مهما كان صغيراً من دون ان يترك تأثيره في مجال توعية النساء وتعبئتهن، وخاصة ظروف عدوان 1967 والاحتلال الاسرائيلي ونزوح الاف من العائلات الفلسطينية للمرة الثانية، والانتفاضات المتتالية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ان هذا التواتر الشديد لمجرى الاحداث السياسية المصيرية، قد كلف النساء تضحيات جساما، لكنه شد من ارتباطهن بالنضال العام جنباً الى جنب مع الرجال، واوضح لهن بالمثل الملموس، ان مكاسب المرأة التي تأتي عبر النضالات متعددة الجوانب، مهددة بالضياع اذا ما نجحت سياسة العدوان، ومخططات القوى الامبريالية والصهيونية، التي تستهدف فرض الهيمنة الكاملة على المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، حقه في العودة وتقرير المصير واقامة دولته الوطنية المستقلة على ارضه.


كما لعبت الاحزاب السياسية في الاردن دوراً اساسياً في توعية وتنظيم النساء وجذبهن للنضال السياسي. وقد نصت برامجها السياسية على ذلك. وجاء في برنامج الحزب الشيوعي الاردني، كما نشرته جريدة “المقاومة الشعبية” في عددها العاشر بتاريخ حزيران 1951 ” النضال في سبيل تحرير المرأة الاردنية من القيود الرجعية، ومساواتها بالرجل في جميع الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية”. وقد انعكس تأثير هذه الاحزاب في وقت مبكر من الخمسينيات على دور المرأة السياسي. فبدأت تدرك اهمية نضال الشعوب المشترك في سبيل سيادتها واستقلال اوطانها ودرء مخاطر الحروب واهمية قضية السلم. فقد شاركت في التوقيع على النداء الذي وقعه الوف الرجال والنساء في الاقطار العربية من اجل عقد مؤتمر لشعوب الشرق الادنى وافريقيا الشمالية، لتوحيد الجهود والقوى للسير في طريق مشتركة، تجنب البلاد اهوال الحروب، وتحقق السيادة الوطنية. كما شاركت في التوقيع على النداء الوطني الذي وقع عليه سبعون شخصاً من فلسطين وشرق الاردن يؤيدون فيه عقد ميثاق للسلم بين الدول الخمس الكبرى، ويدعون جميع الناس الشرفاء لتأييده، والى تكوين حركة لأنصار السلم في الاردن.


ثم بدأ نضال المرأة يأخذ بعداً آخر، فلم تكتف بالتوقيع على النداءات، بل تعدت ذلك الى القيام بالمظاهرات وبالتالي تعرضها للاعتقال. ومثالاً على ذلك، قامت عشرات النساء في عمان يوم الجمعة 28 تشرين الثاني عام 1952 بمظاهرة تأييد للشعب العراقي. وكانت المتظاهرات يهتفن بحياة الشعب العراقي الباسل المناضل في سبيل حريته واستقلاله، والغاء معاهدة العبودية البريطانية – العراقية، وضد ربط البلاد بمشاريع المستعمرين الحربية العدوانية، وفي مقدمتها مشروع قيادة الشرق الاوسط، ومن اجل تأميم شركات البترول، وسائر الشركات الاستثمارية الاحتكارية، وفي سبيل السلم والديمقراطية. غير ان شرطة الجلاد البريطاني كلوب، داهمت المتظاهرات بصورة وحشية، وانهالت عليهن بالضرب والركل واعتقلت خمساً من المتظاهرات.


ومع تصاعد نضالات الحركة الوطنية في الاردن تزايدت مساهمة المرأة في النضال السياسي المتشعب. لقد شاركت في النضال ضد الاحلاف العسكرية، وطالبت بالغاء المعاهدة البريطانية ونظمت المسيرات والمظاهرات والاعتصامات، وشاركت في النضال ضد الاحكام العرفية والقوانين الاستثنائية المقيدة للحريات، وطالبت بالحريات الديمقراطية، ومن اجل منح المرأة حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ بداية الخمسينيات. ففي عام 1952 “نظمت رابطة اليقظة النسائية في القدس حملة للمطالبة بمنح المرأة حقها في الانتخاب للمجالس البلدية. ونظمت احتفالات على نطاق الاحياء والمنازل في يوم المرأة العالمي، وتعبئة النساء للمطالبة بحقوقهن، ومعاداة السياسة الاسرائيلية العدوانية وضد الاستعمار البريطاني”. غير ان نشاط الرابطة العلني قد ضرب بعد ان امر قائد الجيش انذاك ( كلوب) بحلها، فواصلت نشاطها بشكل سري، وأوفدت العديد من اعضائها للمشاركة في المؤتمرات العالمية. فبالاضافة الى استخدام المنابر الدولية للدفاع عن القضايا العادلة للشعوب العربية، فلقد تمت الاستفادة من التجارب الغنية لدى الحركة النسائية التقدمية العالمية، والتي عكستها مندوبات الرابطة على نشاطاتها المختلفة على النطاق المحلي.


وقد نظمت الرابطة اول احتفال جماهيري بالثامن من اذار- يوم المرأة العالمي، عام 1956 في مدينة اريحا، شارك فيه ما لا يقل عن 800 امرأة من الضفتين. نظم الاحتفال تحت شعار “حقوق متساوية للمرأة بما في ذلك حق الترشيح والانتخاب للبرلمان والغاء المعاهدة البريطانية”. وعكس شعار الاحتفال ادراك المرأة للترابط العضوي بين نيلها لحقوقها، واستقلال وسيادة وطنها وتحرره من السيطرة الاستعمارية.


كما شاركت المرأة الاردنية في مهرجانات الشباب العالمية التي كانت تنظم كل اربع سنوات. وكان اول مشاركاتها عام 1955 في مهرجان وارسو للسلم والصداقة.


وكان لاتحاد المرأة العربية الذي تأسس عام 1954 برئاسة المحامية املي بشارات دور مهم في توعية المرأة سياسياً. وقد رفع العديد من المذكرات الى رئيس الوزراء ومجلس الاعيان والنواب مطالباً فيها بمنح المرأة حقوقها السياسية. وعندما صدر قرار مجلس الوزراء في 2/10/1955 بالموافقة على مشروع الانتخاب الذي اعطى للمرأة المثقفة حق الانتخاب وليس حق الترشيح، نظم الاتحاد حملة واسعة من اجل منح المرأة حقها الكامل في الانتخاب والترشيح، واعطاء المرأة الامية حقها اسوة بالرجل الامي.


لقد تميز نضال المرأة بالمد والجزر، على مدى العقود الاخيرة. فتعطيل الحياة النيابية منذ عام 1967 ومنع الاحزاب السياسية وحظر نشاطها تحت طائلة الاعتقال والسجن منذ عام 1956، وغياب الحريات الديمقراطية وسياسة القمع التي سادت البلاد لسنين طويلة، انعكست بشكل سلبي على الحياة السياسية في البلاد بشكل عام، وتركت تأثيرها بشكل مباشر على جذب النساء للعمل السياسي والنشاط العام، باستثناء اعداد من النساء اللواتي انخرطن في الاحزاب السياسية المحظورة والتجمعات الشعبية. وقسم من هؤلاء تعرضن لجميع اشكال الاضطهاد: من الفصل من العمل الى المطاردة والسجن والمنع من السفر والاقامة الجبرية. وكانت رجاء ابوعماشة اول شهيدة للواجب الوطني حينما اطلقت عليها النار وهي تحاول انزال العلم الاميركي عن السفارة، اثناء مظاهرة في مدينة القدس. كما نظمن حملات متواصلة للمطالبة باطلاق سراح المعتقلين، الذين زج بهم في السجون والمعتقلات الصحراوية لسنين طويلة.


خلال المد الوطني الذي رافق تواجد قواعد المقاومة الفلسطينية في الاردن بعد عام 1967 شهد الاردن نضالاً سياسياً علنياً، كان للمرأة فيه دور مميز ولاسيما في التعبئة السياسية العامة، التي شملت المدن والقرى والمخيمات.


لقد نظمت المظاهرات النسائية الحاشدة، التي شارك فيها الاف النساء، في مختلف المناسبات، كانت اضخمها المظاهرة التي نظمت احتجاجاً على العرض العسكري الاسرائيلي في مدينة القدس. كما نظمت الاعتصامات والمهرجانات الوطنية، وشاركت النساء في مختلف الفعاليات السياسية، داخل البلاد وخارجها.


وبعد احداث السبعين شهدت الحركة الوطنية جزراً انعكس على دور الاحزاب السياسية والنضال السياسي العام، وترك بصماته الثقيلة على دور المرأة في النضال السياسي، وماتزال المرأة تعاني من اثاره السلبية.


المرأة والأحزاب السياسية


إن مشاركة المرأة في الاحزاب السياسية قد شهدت مداً وجزراً. ففي سنوات المد الوطني، حين ازدهر النضال الوطني ولعبت الاحزاب السياسية دوراً بارزاً في الحياة السياسية، انخرطت المرأة في الاحزاب والتجمعات والحركات السياسية التي شهدتها الساحة الاردنية. الا ان دور المرأة ضعف في فترات الجزر حيث حلت الاحزاب السياسية وتم حظر نشاطها تحت طائلة العقاب والذي يتراوح ما بين الفصل من العمل والمنع من السفر والسجن والاعتقال وفرض الاقامة الجبرية المنزلية والاحكام بالسجن التي كانت تصل الى خمسة عشر عاماً بموجب قانون مقاومة الشيوعية.


ان التجربة المريرة للمرأة في العمل الحزبي قد تركت اثارها السلبية في مرحلة العمل الحزبي العلني بعد ترخيص الاحزاب عام 1992/1993 اذ ان مشاركتها جاءت محدودة جداً وضعيفة.


لقد دلت الدراسة التي نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية/الجامعة الاردنية حول الأعضاء المؤسسين والاعضاء المفوضين بإجراءات ترخيص الحزب، وأعضاء الهيئة القيادية الأولى (امانة الحزب والهيئة القيادية العليا) على أن مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية محدودة جداً وضعيفة، بالاستناد الى الملاحظات التالية:


اولاً : توجد خمسة احزاب من اصل سبعة عشر حزباً، ليس للمرأة وجود او تمثيل في هيئاتها التأسيسية، وباستثناء ثلاثة احزاب هي: الوحدة الشعبية والتقدمي الديمقراطي والشيوعي، فإن نسبة تمثيل المرأة في الاحزاب المتبقية، لا تتعدى كونها رمزية، لانها ضئيلة جداً، وهذا ينطبق على نسبة المرأة في الاعضاء المفوضين.


ثانياً: في اهم هيئة لصنع القرار في الاحزاب وهي: المكتب السياسي او “الجبهة التنفيذية” في الحزب، لا يوجد للمرأة اي تمثيل سوى في الاحزاب التالية: الشيوعي(2 من 7) والشعب الديمقراطي الاردني حشد (3 من 9) والحزب الوحدوي العربي الديمقراطي (1 من 14) والحركة العربية الاسلامية الديمقراطية (دعاء) ( 1من 11).


تبين في دراسة حديثة ان نسبة النساء في الاحزاب السياسية 27.8 بالمائة والمجالس البلدية 27.4 بالمائة.


ثالثاً: اذا ما نظرنا الى المستوى الاعلى في هذه الاحزاب وهو منصب “الامين العام” فاننا نجد ان كل الامناء العامين لهذه الاحزاب هم من الذكور، ونستطيع القول انه كلما تدرجنا الى الاعلى في مواقع صنع القرار في الاحزاب – كما هو الحال في المجتمع – قلت نسبة النساء او انعدمت كلياً. وانه لمن الواضح من الملاحظات السابقة، ان اغلب الاحزاب السياسية المرخصة في الاردن لا تعالج قضية المرأة بشكل جدي وفعال ومستقل في برامجها، والاشارة لقضية المرأة لا تتعدى مرحلة الشعارات غير النابعة من معرفة حقيقية لواقع المرأة، إما لاسباب ايديولوجية، او لاسباب تعود لطبيعة الوضع السياسي في المراحل السابقة، عندما كانت قضية المرأة تعالج كجزء من مسائل التحرر الوطني وأدى هذا الى عدم اعتبار قضايا المرأة كمسألة مركزية إنما احتلت دوراً هامشياً.


ان هذا يظهر ان تمثيل المرأة في المواقع السياسية المهمة، وبخاصة تلك المرتبطة بصنع القرار السياسي، ما يزال ضعيفاً في الاحزاب السياسية.


معوقات مشاركة المرأة في الأحزاب


لاشك ان هناك عدة اسباب وعوامل شكلت معوقات حقيقية لدخول المرأة الاردنية العمل الحزبي على نطاق واسع ويبقى في مقدمتها:-


1 -المناخ السياسي العام الذي ساد البلاد خلال العقود الاخيرة، وغياب الحريات الديمقراطية الاساسية: حرية الرأي والتعبير والتنظيم السياسي والنقابي ، في ظل الاحكام العرفية والقوانين الاستثنائية الجائرة، ومن ضمنها قانون مكافحة الشيوعية، وما رافق ذلك من قمع وارهاب. هذا المناخ اثر سلباً على انخراط مجموع ابناء الشعب في الاحزاب السياسية ولاسيما النساء.


2 – حل الاحزاب السياسية في الاردن، وتحريم نشاطها، وملاحقة وسجن اعضائها، وشن حملات اعلامية ضد النشاط والعمل الحزبي، والتشهير بالحزبيين، وخاصة اليساريين، ومحاربتهم بلقمة عيشهم. فمثلاً كل من انتسب للحزب الشيوعي او تعاطف معه، كان يمنع من السفر والعمل في القطاع العام وحتى الخاص، بما في ذلك وظيفة معلمة في روضة اطفال.


3 – حرمان المرأة من حقوقها السياسية، وتعطيل الحياة النيابية سنين طويلة. فالمرأة لم تمنح حق الانتخاب والترشيح لعضوية مجلس النواب الا بتاريخ 1/4/1974، بصدور القانون رقم 8 لعام 1974المعدل لقانون الانتخاب رقم 4 لعام 1960. كما لم تمنح حق الانتخاب والترشيح لعضوية المجالس البلدية الا عام 1982. كما ان منحها هذه الحقوق بموجب القوانين لم يقترن بممارستها. ومع انشاء المجلس الاستشاري، بمقتضى القانون رقم 17 لعام 1978، تم تعيين عدد من النساء في دوراته الثلاث. وحتى المنظمات النسائية الخيرية والاجتماعية قد حرم عليها القيام بأي توعية سياسية للنساء او اي نشاط سياسي والمنظمات النسائية الديمقراطية، قد حلت واضطرت لاسترداد شرعيتها بموجب قرارات من محكمة العدل العليا، كجمعية النساء العربيات في الاردن والاتحاد النسائي في الاردن.


4 – النشاط الملحوظ للتيار الاصولي الرجعي، والذي ازداد دوره وتأثيره في المجتمع خلال العقد الاخير، والذي يحاول ايقاف عملية التطور والتغيير، من خلال المطالبة بابعاد المرأة عن الحياة الاجتماعية وفرض مفهوم “الحريم” البالي على المرأة التي هي بنظرهم “عورة” ومكانها الوحيد هو البيت. وهذا التيار الاصولي هو تيار اجتماعي رجعي، لا يستند الى جوهر القيم الدينية، وانما يفسرها بطريقة يراد لها ان تضفي المشروعية الدينية على قيم مرحلة الانحطاط والجمود. فالمرأة العربية قبل الاسلام وبعده عملت في التجارة والسياسة والحياة العامة، وقادت المعارك، ومارست القضاء، وشاركت في النشاطات الادبية. فقد كانت خديجة بنت خويلد من كبار تجار قريش واشتهرت برجاحة العقل والمركز الاجتماعي المرموق وكانت اول من آزر محمداً في دعوته. وكذلك فإن عائشة زوجة الرسول قد قادت جيشاً في معركة الجمل، وكان بيت سكينة بنت الحسين منتدىً ادبياً يؤمه النساء والرجال على السواء. ان التيار الاصولي الرجعي الراهن، لا يمثل امتداداً واستلهاماً للاسلام، وانما يمثل تواصلاً لافكار وتقاليد مرحلة الانحطاط والجمود، التي سادت خلال هيمنة العهد التركي، واجتياح المغول لبغداد، حيث تدهورت الحياة الاجتماعية للمرأة. ونشطت تيارات فكرية دينية تدافع عن هذا الوضع المتخلف للمرأة، وحاولت تأبيده واعتباره ركيزة من ركائز الحياة في المجتمع. وهذا لعب دوراً في اضعاف مساهمة المرأة في شتى مجالات الحياة العامة، بما فيها العمل السياسي. وسنت تشريعات متخلفة تحمي هذا الواقع وماتزال المرأة لليوم تعاني من مخلفات هذه المرحلة.


ان كل الدعاوى التي يطلقها اصحاب التيارات الرجعية لا يمكن ان تغير من الواقع شيئاً، فالمشاركة الاجتماعية والسياسية للمرأة، باتت ضرورة لا يمكن تجاهلها، لانها جزء لا يتجزأ من عملية تطور المجتمع. ويتعذر الحديث والتخطيط لتقدم وتطور المجتمع، من دون اشراك المرأة في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.


5 – ان استفحال الازمة الاقتصادية في السنوات الاخيرة، وما افرزته من بطالة وارتفاع اسعار، وتآكل في مداخيل العاملين بأجر، قد ادى بالجماهير رجالاً ونساء الى الانغماس في الشؤون الخاصة، والكفاح من اجل تأمين لقمة العيش يوماً بيوم، والابتعاد عن النشاط العام، واللامبالاة ازاء الحياة السياسية، التي كبلتها الاحكام العرفية والقوانين الاستثنائية المقيدة للحريات العامة.


6 – ان كثرة اعباء المرأة، ولاسيما المرأة العاملة وعدم توفير التسهيلات الاجتماعية لها من قبل المجتمع، وجهل المرأة بحقوقها، وعدم معرفتها في كيفية الدفاع عنها، وانتشار الامية بنسب عالية بين صفوفها، وانتشار الامية الثقافية بقوانين العمل والتشريعات المتعلقة بالاسرة، ساهمت في عدم مشاركة المرأة مشاركة فعالة في الحياة العامة، وتقليص دورها السياسي في المجتمع واحجامها عن الانخراط في الاحزاب السياسية.


7 – وما تزال الصورة المشوهة لحقيقة دور الاحزاب، التي كونتها وسائل الاعلام في ذهن المواطنين، وعدم الثقة بما ستقوم به الاحزاب، وجدوى النشاط السياسي بشكل عام، ماثلة في اذهان الجماهير نساءً ورجالاً. اضافة الى حالة الاحباط الناجمة عن النتائج المأساوية لحرب الخليج الثانية، وما يسود المنطقة من تدهور وتمزق، وانهيار الاتحاد السوفياتي ودول اوروبا الشرقية، والتي اثرت جميعها على الرجال والنساء، وادت الى تهميش دور المرأة في الحياة الحزبية.


8 – كذلك عدم الثقة بامكانية دوام المناخ الديمقراطي السائد أو الانفراج السياسي، واعتبار هذه المرحلة “مصيدة” على حد تعبير البعض لكشف الحزبيين، ويستشهدون بانقلاب عام 1957 وما رافقه من ملاحقة ومطاردة وسجن لاعضاء الاحزاب السياسية بعد حلها وتحريم نشاطها.


ماهو السبيل لتحفيز المرأة الاردنية للانخراط في العمل الحزبي؟


هناك وسائل واجراءات عديدة يجب اتباعها لتحفيز المرأة الاردنية للانخراط في العمل الحزبي ويبقى من ضمنها :-


1 – اشاعة الديمقراطية في جميع مجالات الحياة، واشاعة الحياة المؤسسية في البلاد باعتبارها الركيزة الاساسية للحياة الديمقراطية، والمجتمع المدني وتوفير المناخ الديمقراطي المطلوب لحل جميع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها مجتمعنا، والتي تفاقمت في غياب الديمقراطية والمشاركة الشعبية، ومن ضمنها المشاكل التي تعاني منها المرأة.


2 – اشاعة الديمقراطية داخل الاحزاب، واعطاء المرأة دوراً متقدما في صفوفها، وتشجيعها على تبوؤ مواقع قيادية وهي جديرة بذلك.


3 – تبني الاحزاب في برامجها السياسية الدفاع عن قضايا المرأة. اذ علينا ان لا نغفل بأن هناك خصوصية لقضية المرأة، لانها تعاني من اضطهاد مزدوج في الاسرة والمجتمع، ومن تشريعات متخلفة موروثة من العهود الغابرة. فبرامج الاحزاب التي تستند الى مبادئ الغاء استغلال الانسان للانسان جديرة بان تستقطب جماهير النساء اللاتي هن اولى ضحايا الاستغلال بجميع اشكاله والوانه ومصادره. وان تكون هناك لجان متخصصة بشؤون المرأة تابعة للاحزاب.


4 – القيام بحملة اعلامية، لازالة الاثار السلبية التي خلفتها حملات التشهير بالاحزاب والحزبية، هذه الحملات التي سادت طيلة العهود الاخيرة. والتأكيد على ان الاشتراك في الاحزاب يعتبر ارقى انواع المشاركة في الحياة السياسية والعامة وتحمل المسؤولية، وما يترتب على هذه المشاركة من واجبات وتضحيات.


5 – توعية المرأة بحقوقها المختلفة السياسية والمهنية والشرعية، في اطار التشريعات المعمول بها وحثها على ممارسة هذه الحقوق والاستفادة منها، والعمل على تحديث وتطوير المختلف منها. واستخدام مختلف اجهزة الاعلام المرئية والمسموعة، لنشر الوعي السياسي بين صفوف جماهير النساء، وتنظيم ندوات تلفزيونية واذاعية، واستخدام الصحافة والمجلات المحلية لهذه الغاية. واصدار مجلة خاصة بالمرأة لتكون احد المنابر لتوعية المرأة سياسياً وثقافياً واجتماعياً والدفاع عن حقوقها.


6 – إن الصحافة الحزبية الجادة ستساعد على ايجاد صحافة مؤمنة بدور المرأة وملمة بقضاياها ومشاكلها ويكون لها دور في تعبئة النساء للانخراط في الاحزاب السياسية والدفاع عن حقوقهن للمساهمة الفعالة في عملية التغيير، وخلق وحدة فكرية بين جماهير النساء حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والربط بين قضايا المرأة وقضايا المجتمع وقضايا الديمقراطية والتحرر الاقتصادي والسياسي واجراء تغيير اجتماعي واقتصادي وسياسي وفكري، يحقق للمرأة المساواة الحقيقية، ويحفزها للمشاركة في الحياة السياسية، والانخراط في الاحزاب السياسية.


*ناشطة سياسية

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock