تحليل إخباري

المرأة والرياضة: هدف آخر في المرمى

بثينة البلخي

تلك السمراء الجميلة، هل كانت تعلم أنها حين هبطت أرض ملعب الأمير محمد في مدينة الزرقاء، إنما كانت منقادة لشغف يسكن معظم بنات جنسها. شغف لا يعرف الحياد، ومتطرف باقتناص فرصة، وبلا صفارة تنذر بانتهائه. هكذا كانت تلك الجميلة أول امرأة أردنية تقود مباراة كرة قدم للرجال.
في منتدى شومان الثقافي، ووسط عيون الحاضرين المتلألئة بالإعجاب والفخر بابنة بلدهم، تتحدث إسراء المبيضين، بكل ثقة عن تجربتها تلك، وتبتسم بخجل أنيق للمقدمة التي تمتدح أنوثة واضحة لم تنل منها رياضة غرستها وسط ملعب للرجال الذين لم يستطيعوا إخفاء دهشتهم لحظة أدركوا أنهم تحت رحمة صفارتها وبطاقاتها. لكن إسراء، وزميلاتها من طاقم الحكام: صابرين وإسلام العبادي وحنين مراد، استطعن، بالصرامة والجدية، وبالهدوء والحنكة، قيادة مباراة “سحاب” و”البقعة” في الجولة الأخيرة من دوري المحترفين إلى بر الأمان، رغم ما تعنيه الأجواء من إمكانية التوتر المعتاد لدى اللاعبين والجمهور.
المفاجئ المفرح في هذا الحدث الكبير في تاريخ كرة القدم الأردنية، هو ذلك الفيض الإيجابي لدعم وجود امرأة تحكّم مباراة للرجال لدى مختلف الشرائح المجتمعية، بل إن اسم الحكمة إسراء المبيضين تصدر خلال الفترة الماضية وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، مرتبطاً بالفخر والدعم لهذه المرأة التي اقتحمت بجرأة كبيرة عالما لم يكن فيه للنساء أي وجود من قبل.
هذا الوعي لقدرة الحضور الأنثوي في مجال مهم، كالرياضة، على نحت الصورة الحضارية للأردن، يشكل بحد ذاته وجهاً آخر من السلوك الحضاري الذي لا ينفك يجعل الأردن محط الإعجاب، وهنا نقتبس من الأمين العام لاتحاد كرة القدم الأردنية سمر نصار قولها: “نحن في الأردن رهاننا الرابح مواردنا البشرية”، ولك أن تتوقع ما يحمله هذا الفكر من رقي بما يعلي من شأن الإنسان وطاقاته، فما بالك حين يركز تفكيره على الأنثى ليحثها ويدعمها نحو مزيد من العطاء والتقدم، وخوض غمار المغامرة.
في الرياضة الأردنية سلسلة من الإنجازات الأنثوية التي ترفع لها القبعة، كونها زاحمت للظهور خلال فترة تعتبر قصيرة نسبيا لا تتجاوز 15 عاما. ولعل تولي سيدة لمنصب مهم مثل الأمين العام لاتحاد الكرة الأردنية، أمر لا بد من التوقف عنده، خصوصا إذا ما عدنا لنلقي لضوء على التنظيم الناجح لبطولة نهائيات كأس العالم 2016، للسيدات ما دون 17 عاما، وهي البطولة التي لم تستضفها دولة عربية أو شرق أوسطية من قبل، وما حققته من دفعة قوية للرياضة النسائية في الأردن والعالم العربي، لمسنا نتائجها في الإنجاز الجميل الذي حققته سيدات الأردن حين أحكمن قبضاتهن الناعمة على كأس العرب لكرة القدم النسائية، أيلول الماضي.
نحن نتحدث عن إنجازات كبيرة إذا ما وسّعنا المشهد من أجل رؤيته في إطار العوائق الاجتماعية التي تحول بين المرأة العربية وأحلامها، لكننا لا نريد للسوداوية أن تجد مكاناً لها وسط هذا التفاؤل والأمل بمستقبل ترفع فيه النساء أيديهن عالياً ليحجزن مكانا لائقا لهن في جميع المجالات، لتتعدد الانتصارات بشغف لا يعرف الحياد، بل يردد معهن: ما تريده النساء سيكون طوع البنان.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock