فكر وأديان

المرأة والمؤسسات الدينية

د. أحمد ياسين القرالة
استطاعت المرأة بجدارة واقتدار أن تقتحم الكثير من ميادين العمل التي كانت حكراً على الرجال دون الإناث، وتمكنت من ولوج العديد من الميادين التي كان يُظن أنّ الرجال وحدَهم هم القادرون عليها والمؤهلون لها، فدخلتْ عالم السياسة والاقتصاد والطب والتعليم وغيرها من المجالات المختلفة، وأضحت النسبة العددية في الجامعات والمعاهد الأردنية تميل لصالحها في الكثير من التخصصات وفي مقدمتها الشريعة الإسلامية.
وقد أثبتت العديد من الدراسات وهو ما يؤكده الواقع أن المرأة أشدُّ صرامةً في الالتزام بالأنظمة والقوانين، وأقلُ فساداً مالياً وإدارياً، وأكثرُ بعداً عن التسيّب والفوضى، وبحكم عملي في التدريس الجامعي لسنوات طويلة لمستُ فيها هذا الأمر، فوجدت عندها الانضباطية العالية والحرصَ الشديد على طلب العلم والمنافسة فيه، وألفيتها تمتلك من المواهب الذهنية والقدرات الإبداعية على تكييف الوقائع ومعالجة القضايا وإصدار الأحكام والفتاوى بطريقة علمية منهجية بلا فرق بينها وبين زملائها من الذكور، إن لم يكن بنوع من التفوق والتميز.
ولكنها وللأسف الشديد لا تأخذها موقعها الذي يليق بها في مؤسساتنا الدينية المختلفة، فهي محرومة من ممارسة القضاء الشرعي، مع أن هناك العديد من الاجتهادات الفقهية المحترمة التي تجيز لها تولي هذا المنصب، وفي مقدمتها اجتهاد الإمام الطبري ( ت310ه) الذي ذهب إلى جواز أن تكون المرأة قاضياً في الأمور كلِّها، واجتهاد الحنفية الذين ذهبوا إلى جواز قضائها في القضايا المدنية دون الجزائية.
وإنه لمن المثير للدهشة والاستغراب أن تتولى المرأة القضاء المدني بكافة أنواعه وبمختلف درجاته، فتحكم بالإعدام أو السجن وتقضي بالملايين من الدنانير، ولكنها لا تستطيع أن تكون قاضياً في المحاكم الشرعية تقضي بنفقة مقدارها خمسون ديناراً أو في حضانة طفل أو تفريق بين زوجين، مع أن هذه الأمور أقرب لطبيعتها وأليق بأنوثتها، وأكثر صلة بحياتها الاجتماعية والأسرية.
ومع ذلك لم يمنعها حرمانها من دخولها لميدان القضاء الشرعي من أن تقتحم صالاته وأروقته، فتقف منتصبة في مواجهة القاضي تراقب أداءه وتتابع عمله وتترافع أمامه باعتبارها محاميةً ووكيلةً عن الخصوم في الدعوى، فكانت كالمحامين من الرِّجال اقتدارا وكفاءة بالتمام والكمال.
ولم يقتصر الأمر على الميدان القضائي، بل هو ممتد إلى مؤسساتنا الدينية الأخرى، فلا وجود للمرأة في دائرة الإفتاء، فجميع المفتين هم من الذكور والوظيفة حِكر عليهم وحدهم، مع أنه لا يوجد نص شرعي ولا حتى اجتهاد فقهي يحظر عليها هذا العمل كما هو الحال في توليها للقضاء؛ بل إن النص الديني يجعلها في هذا الأمر كالرجل تماماً، قال تعالى:” فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” وأهل العلم هم المؤهلون من الذكور والإناث، وقد تولت المرأة عبر حضارتنا الإسلامية مهمة الإفتاء، وكانت السيدة عائشة هي رائدة هذا العمل، كما اشتهرت العديد من النساء بهذا الأمر وكانت تلقب بالمفتية.
إن حرمان المرأة من دخول الافتاء الرسمي مع أنه لا يوجد مانع شرعي يمنع من ذلك يعتبر تمييزاً بين المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات كما ينص على ذلك الدستور الأردني، وهو إخلال بالعدالة بين المتكافئين، وفيه هدر لطاقات المرأة وحرمان المجتمع من الاستفادة من قدراتها الذهنية واجتهاداتها العلمية.
ولا يختلف كثيراً حال المرأة في وزارة الأوقاف عن بقية المؤسسات الدينية، وإذا كانت تجربة الوزارة مع الواعظات ليست مشجعة للاستمرار فيها لا لعيب أو ضعف في المرأة، بل لعجز الوزارة وتقاعسها عن ابتكار الوسائل والأساليب التي تمكن المرأة من أداء دورها الإرشادي والوعظي للقطاع النسائي بشكل كامل، وهو بلا أدنى شك عمل مهم وحساس للمجتمع الأردني وهي الأولى للقيام به؛ لأنها الأدرى بطبيعة المرأة والأكثر قرباً من همومها ومشاكلها والأقدر على التعاطي معها بالتوجيهات الصحيحة والإرشادات السليمة، التي تحفظ المجتمع وتحصّنه من الآفات والمشكلات، وتحميه من الشرور والآثام.
كلنا أمل بأن تقوم مؤسساتنا الدينية بفتح هذا الملف ومناقشته مناقشةً موضوعية هادئة بعيداً عن التخوفات وردَّات الفعل والمواقف المسبقة، تعيد للمرأة اعتبارها ومكانتها وتعمل على استثمار طاقاتها وإبداعاتها، وتوجيهها لخدمة قضايا المجتمع وحلّ مشكلاته.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock