أفكار ومواقف

المزاج في سن الزواج ..

هناك فرق كبير يا رعاك الله بين سن البلوغ وتلك المناسبة للزواج، خاصة وأنك ما فتئت تُبشر بالأسرة وأهميتها في بناء المجتمع، فالبنت أو الولد قد يدركهما البلوغ على مشارف العاشرة أو الحادية عشرة، ولكن أول قاعدة في تربية الأطفال أن تعلمهم ما هو في مصلحتهم وليس ما يقدرون عليه أو يشتهونه.
نعم، دأب مجتمعنا على قبول الزواج المبكر، وأسمعك الآن تقول: جدتي تزوجت وهي ابنة الحادية عشرة، ولكن تنسى أن هذا حصل قبل قرن من الزمان تقريباً، وفي ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة تماماً؛ حيث كان المجتمع زراعياً أو بدوياً تعيش فيه “الزوجات” في أسر ممتدة تشارك فيها نساء الأسرة في ولادة القاصر وإرضاع ابنها وفي الإشراف على”خلفة” القاصرات والاستفادة منهم كقوى عاملة في الحقل أو مع المواشي والحلال.
الديانات السماوية عامة وخاصة الإسلام لم تحدد سنا معينة للزواج، فالإسلام مثلا اشترط للزواج شروطا مجتمعة يتطلب تحقيقها سناً متقدمة للزواج، فانظر يا رعاك الله بعضاً من تلك الشروط التي ابتغاها الدين كما وردت في النصوص :
شرط البلوغ : ويكون البلوغ بعلاماته المعروفة، فإن لم تظهر علامات فإن سن البلوغ هو خمسة عشر عاماً عند الجمهور من الشافعية والحنابلة وثمانية عشر عاماً عند المالكية، ولكن البلوغ لا يكفي لصحة الزواج بل يجب أن تجتمع معه شروط اضافية منها الكفاءة؛ وهي المماثلة بين الزوجين في البيئة والظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة، والتي هي أساس “السكون” التي أشارت إليها الآية الكريمة “… لتسكنوا اليها … “، وهي أمر أكثر بكثير من إطفاء الظمأ الجنسي، ومن شروط الزواج أيضاً، الحب نعم الحب والقبول!، وقد قال الرسول عليه السلام للرجل الذي يرغب في خطبة فتاة: “اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما” يعني؛ أن تحبها.
أما الشرط الأهم للزواج فهو الاستطاعة الاقتصادية بمعنى قدرة الزوج ليس فقط على الإنفاق على زوجته القاصر بل أيضا على ثمرة الزواج منها “الأولاد”، وما يستلزم ذلك من تأمين المسكن والملبس والحياة الكريمة، وتأمين ذلك على الزوج القاصر معضلة، فالبطالة متفشية بين الكبار فما بالك بمن كان قاصرا عمرا قليل الخبرة والدراية.
واعلم يا رعاك الله أن القاصر تتزوج غالباً لثلاثة أسباب: دفعاً للفقر أو تطبيقاً لما درج عليه العرف أوبقدرة صاحب مال يهدف للحصول على أشكال مختلفة من المتعة وفي هذا كله فإن من يدفع الثمن غالباً هي القاصر التي تحرم التعليم أو الحياة الكريمة في أبسط معانيها إن لم ينقلب هذا الزواج نقمة عليها من رجل متسلط عابث.
زواج القاصرات أو”الصغيرات” في أغلبه وصفة لإنتاج أسرة تنتج الفقر وسوء الحال وأطفالا ليس لهم في أكثر الأحوال أي سبيل من سبل العيش الكريم، ناهيك عن الحالة النفسية التي تكون فيها الصغيرة من أهوال الجماع ورعاية الزوج والإرضاع وتربية الأولاد وهي منهم.
أَعلَمُ يا رعاك الله ان الحالة النفسية للفتاة القاصر ليس من مجال اهتمامك طالما اننا أطفأنا نار الرغبة الجنسية لابن السادسة عشرة بالزواج وقضينا بذلك على مصادر الرذيلة في المجتمع !!!
وعلى ذكر الرذيلة فإن من الرذيلة ان ترتفع نسب الطلاق لتصل نصف حالات الزواج العام 2018.
ومن الرذيلة أيضاً أن تقع أسرة -ولو أسرة واحدة- في براثن العوز والفقر، ومن الرذيلة أن تنجب أولاداً محرومين من التعليم أو الصحة أو من الاستمتاع بمباهج الحياة، ومن الرذيلة ألا تستطيع الزوجة القاصر إرضاع طفلها.
شرع يا رعاك الله كما تشتهي ولكن لطفاً لا تدعي ان هذا توجه الدين أو مصلحة المجتمع بل هو فقط “مزاج”، وتكريس لعقلية ذكورية مرعوبة ودفاع عن مصلحة الذكور، احنا فاهمين عليك جنابك.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock