أفكار ومواقف

المزادات العلنية

المزاد حالة يعرض فيها البائع سلعة، أيا كانت، في مكان محدد سلفا أو يجري تحديده لجمهور عام أو فئة من المهتمين. ويجري البيع لمن يدفع السعر الأعلى في السلعة أو التحفة المطروحة. وغالبا ما تتم المزاودة على السعر الأساس الذي يضعه المعلن أو المنادي.
اليوم، ومع تباين الأذواق وتلاقي الاهتمامات التي تتجاوز الحدود الجغرافية والقومية للأمم، أصبح المزاد وسيلة تسويقية مهمة؛ كونها تثير اهتمام المشاركين بالسلعة، وتولد لها قيمة من خلال الحدث “المزاد”، خصوصا عندما لا يكون للمعروضات أسعار معروفة قبل عرضها.
في العالم، تُعقد المزادات للتحف واللوحات والمجوهرات، والمقتنيات الخاصة لشخصيات سياسية وفكرية وفنية، وقطع نادرة من حقب تاريخية شتى. وقد أصبح للمزادات رواد وتجار وزبائن، ومواعيد وعناوين، وثقافة خاصة، ومنشورات يعرفها المهتمون والمتابعون والناقدون، وحتى الصحفيون والمؤرخون.
وفي كل الحالات، تكتسب الأشياء التي تدخل المزادات الكبرى شهرة وقيمة إضافية، تتجاوز قيمتها وأهميتها قبل المرور على لوحات المعاينة والعرض، وسباق التسعير الذي تتحكم به رغبة الاستحواذ لدى البعض، أكثر مما توجهه قواعد المنافسة السوقية المعروفة. وما إن تدخل المقتنيات المباعة في ملكية المزاود الفائز، حتى تكتسب المزيد من الشهرة والأضواء، وشيئا من القيمة المعنوية التي تشكل عتبة سعرية يصعب النزول عنها في المزادات اللاحقة.
اليوم أيضا، تجد في معظم عواصم الغرب ومدن عصر النهضة، صالات متخصصة بالمزادات التي يؤمها المهتمون من أثرياء العالم الصناعي والنامي على حد سواء. ففي صالات العروض التي تخضع لقواعد صارمة، تُعرض لوحات بيكاسو، ومقتنيات لويس السادس عشر، وحذاء ملكة من القرون الوسطى، وأكبر ماسة توارثتها الأميرات، وما تبقى من كنوز هرقل.. وغيرها من المعروضات التي يتقاطر عليها الأرستقراطيون والنبلاء والأغنياء الجدد، ممن يبحثون عن مناسبات لاستعراض حجم ثرائهم، أو يتفاوضون على قبولهم في طبقات المشاهير والأثرياء.
وأحيانا، يعقد بعض الأفراد الهواة مزادات محدودة في الأسواق العامة، أو في ساحات بيع السيارات المستعملة، أو أي مكان يحلو لمن يريد التخلص مما لديه في إطار زمني يحدده هو.
والفرق كبير بين المزادين؛ المتخصص والهاوي. ففي النوع الأول، هناك قواعد وبروتوكولات وشروط وحالة تخلقها المؤسسة، لإشعارك بأهمية وقيمة المعروضات التي يجري عرضها، والتي يأتي المزاودون الراغبون في اقتنائها من مختلف جنبات الدنيا. في حين أن النوع الثاني يعرض على عجل منتجات ينوي أصحابها التخلص منها في وقت سريع ومحدد.
ثقافة المزادات (أو المزاودات) العلنية تسربت إلى الحياة العامة التي نعيشها؛ فأصبح الناس، من دون عناية أو اهتمام، يزاودون على بعضهم بعضا، من دون حس بالمسؤولية، أو إمكانية المساءلة عن صحة المعروض من الأفكار والمشاعر والخطابات.
ولا أظن أن من حق المفلس الدخول في المزاد؛ فقد يتوقف المزاد فجأة عند السعر الذي وضعه، وعندها سينكشف أنه كان عابثا أو متسللا أو دجالا انتحل صفة المهتمين والنبلاء والأثرياء، ودخل صالة المزاودة ليرفع السعر عند كل عرض، من دون أن يدرك أن لكل إيماءة قيمة وتبعات.
في الحياة المدنية الحديثة، هناك أدوار ومكانات ومنازل وقيم من الصعب العبث بها، أو استغلال الحرية وغياب المحاسبة الاجتماعية، واللجوء إلى التشبير والتنظير والمواعظ، إذا لم تكن بمستوى ما تقول. فالصدق له أعراض وإشارات، والكذب قصير الحبال.
البلاغة لا تكفي لصناعة المواقف، لكنها مهمة في التعبير عن الموقف إن وجد، مع أنه لا يحتاج، في كثير من الأحيان، للشرح والتنظير. إذا لم تكن نزيها، فليس من حقك الحديث في النزاهة؛ وإذا لم ترسل ابنك للجندية، فمن الصعب أن تتغزل بقيم الدفاع عن الوطن “فلا يعرف الشوك إلا من يكابده”.
في الاتجاه الآخر، هناك المناقصة التي تلجأ إليها الحكومات في مشترياتها. ومعناها أن تشتري حاجاتها بأقل الأسعار المعروضة. وبالرغم من أهمية الترشيد، وضمانات الظروف المختومة، إلا أن في المناقصات مشاكل كثيرة تتضارب مع السعي إلى تجويد المنتج؛ فليس كل ما يفي بالاحتياجات يحقق النمو لمجتمعات غايتها التنمية والتطوير. فالمناقصة مصطلح يبعث على الضيق وحسر الأمل، وربما الاكتئاب.
المزايدة والمناقصة أعمال يلجأ إليها التجار في البيع والشراء. وهي وسائل يمكن أن تعتريها المراوغة والخداع في زمن تدهور القيم. وأنا ما أزال أفضل التسوق، وأحيانا المفاصلة.

*وزير سابق

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock