أفكار ومواقف

المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص في “الأردن الممكن”

“لا يمكن عند الحديث عن التجمع لأجل الثقافة والتمدن إلا أن نتساءل عن دور الشركات وبخاصة في هذه المرحلة التي تولي للقطاع الخاص الأهمية الكبرى في الخدمات والإدارة، هل يمكن أن تنشأ منظومة من الإنجازات الاجتماعية والتنموية من خلال وحول العمل الاقتصادي للشركات؟”
تساؤل يطرحه الكاتب والمفكر إبراهيم الغرايبة في معرض حديثه عن المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، ضمن محور التكوين الاقتصادي والتنموي في كتابه “الأردن الممكن، ما نحب أن نكون، وما يجب فعله لنكون ما نحب”.
ما دفعني للوقوف أمام هذا المحور من الكتاب الغني بتفاصيله وعناوينه التي تشكل خريطة طريق في مجالات عدة للأردن الممكن، هو أهمية الدور الذي يلعبه القطاع الخاص أو من المفترض أن يضطلع به في اطار المسؤولية المجتمعية وحقوق الإنسان، هذا الدور الغائب عن أجندة الكثيرين والذي لا يدرك أهميته ومحوريته العديدون من القائمين على رسم السياسات العامة وتنفيذها.
عن أهمية هذا الدور يشير المفكر إبراهيم الغرايبة إلى أنّ” الدور الاجتماعي للشركات والقطاع الخاص يكتسب أهمية متزايدة بعد تخلي الحكومات عن كثير من أدوارها الاقتصادية والخدماتية التي صحبتها بطبيعة الحال برامج اجتماعية كان ينظر إليها على أنها أمر طبيعي ومتوقع في ظل انتفاء الهدف الربحي للمؤسسات الاقتصادية التي تديرها الحكومات… وكان متوقعا مع تحول هذه المؤسسات إلى الملكية الخاصة وإعادة تنظيمها وإدارتها على هذا الأساس أن يتوقف دورها الاجتماعي، ولكن التطبيق العملي لتجارب الخصخصة أظهر أن الدور الاجتماعي والالتزام الاخلاقي للشركات هو أيضا استثمار يعود عليها بزيادة الربح والانتاج وتقليل النزاعات والاختلافات بين الإدارة وبين العاملين فيها والمجتمعات التي تتعامل معها، ويزيد أيضا انتماء العاملين والمستفيدين من هذه الشركات، وأظهر أيضا أن كثيرا من قادة واصحاب الشركات يرغبون بالمشاركة الاجتماعية، وينظرون الى العملية الاقتصادية على انها نشاط اجتماعي ووطني وانساني يهدف الى التنمية والمشاركة في العمل العام، وليس عمليات معزولة عن أهدف المجتمعات وتطلعاتها”.
ويشير المفكر الغرايبة في معرض كتابه إلى أدوار لا تنحصر بصورة معينة أو قالب تقليدي فيما يتعلق بالمسؤولية المجتمعية للقطاع الخاص حيث يقول “…لكن المسؤولية الاجتماعية للشركات لا تقف عند التبرعات للمشروعات والبرامج التنموية والخيرية، فثمة مجالات للعمل ومبادئ يجب أن تلتزم بها الشركات وسيعود ذلك على المجتمعات والدول بفوائد كبرى، ويجنبها كوارث وأزمات بيئية واقتصادية واجتماعية ستكون في تكاليفها ونتائجها أكبر بكثير من التكاليف المترتبة على هذه المسؤوليات والالتزامات. ومن مجالات ومحاور هذه المسؤوليات الاجتماعية، تنظيم وإدارة الأعمال وفق مبادئ وقواعد أخلاقية، والمشاركة مع الفقراء والطبقات الوسطى، وحماية البيئة وتطويرها، وحماية المواد الاساسية كالمياه والغابات والحياة البرية والتربة وتطويرها، ومكافحة الفساد وتجنبه، والتزام حقوق الإنسان والعمل والعمال، ومساعدتهم في تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية مثل الإدخار والتأمين والرعاية لهم ولعائلاتهم، ومشاركتهم في الأرباح”.
في السياق ذاته، الأمم المتحدة وتحديدا الجمعية العامة تنبهت مبكرًا ودعت إلى دور شمولي لقطاع الأعمال في مجال احترام حقوق الإنسان وتعزيز دورها في المجتمع فقامت بتبني المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان التي أكدت على أنّ قطاع الأعمال بمختلف أشكاله عليه أن يقوم بتبني سياسة عامة واجراءات تنفيذية تعكس التزامه ومسؤوليته المجتمعية عموما وفي مجال احترام حقوق الإنسان بشكل خاص. هذا الدور المهم لهذا القطاع وانعكاساته هو ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون العام 2015 في اطار كلمته حول دور قطاع الأعمال في حماية وتعزيز حقوق الإنسان للإشارة إلى انّ “التحدي الذي يواجهنا هو التأكد من أنّ قطاع الأعمال ليس جزءًا من المشكلة بل مصدرًا للحلول في مجال حقوق الإنسان وفي اطار المجتمعات ككل”.
في الأردن الممكن، وفي اطار دراسة الفجوة بين ما هو قائم وما يجب أن يكون يشير الغرايبة إلى أنه “قد يكون من المبكر واقعيا في الأردن الحديث عن دور اجتماعي واقتصادي كبير للمجتمعات والحركات الاجتماعية وعن المسؤولية الاجتماعية للشركات، ولكنها مرحلة من التحول وإعادة التشكيل أصبحت ضرورية وحتمية، وسوف يكون ثمن هذا التأخير كبيرا جدا، ولا بد أن الحكومة مدعوة في هذه المرحلة الى العمل الجدي والواسع لتأهيل المجتمعات والشركات لتؤدي الدور الاجتماعي الذي أصبح مطلوبا منها”. هذه الدعوة التي لا بدّ وان تكون لها آذانًا صاغية لتجد طريقا لها على مستويات العمل كافة، ابتداء بالتشريعات ومرورا بالسياسات وانتهاء بالممارسات على أرض الواقع التي ستسهم في خلق ثقافة عامة وشعور عميق بالمسؤولية لدى قطاع يعد من أهم قطاعات الدولة تأثيرا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتنموي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock