أفكار ومواقف

المسؤولية الطبية ترى النور بعد عشرين عاما

يعقد البرلمان، بمجلسيه الأعيان والنواب، هذا الأسبوع، جلسة مشتركة لفض الخلاف حول قانون المسؤولية الطبية والصحية؛ وإذا ما توفق المجلسان في حل الخلافات التي وصفت بأنها غير جوهرية، فإن هذا التطور يعد إنجازا تشريعيا تاريخيا بعد أن تعثر إصدار هذا القانون على مدى أكثر من عشرين عاما وسط مطالب مجتمعية وإدراك رسمي لم يترجم على الأرض إلا بعد كل هذا الزمن.
يأتي هذا القانون متأخرا نتيجة الخلافات المتعددة بين أصحاب المصلحة، وفي المقدمة رفض طويل من قبل النقابات الصحية الأربع للقانون قبل أن تتفهم ضرورته والتوصل الى صيغة تشريعية تحمي الأطباء والعاملين في القطاع الصحي كما تحمي المرضى والمجتمع، وبعد أن ازدادت الحاجة لوجود قواعد تشريعية تحدد المسؤوليات وتنظم المساءلة تعمل الى جانب ما يوفره الإطار التشريعي للنقابات ونظام المساءلة الخاص بالقطاع الصحي الرسمي من ضمانات.
في الحقيقة، خسر هذا القطاع في السنوات الأخيرة الكثير من سمعته ومن مكانته الدولية، وخسرت السياحة العلاجية الكثير نتيجة لتجاوزات وبعض السلوكيات لفئة محدودة من العاملين في هذا القطاع، وقبل السياحة العلاجية وحماية الاستثمارات في هذا القطاع، فإن المساءلة الطبية والصحية تعد مكونا أساسيا من حقوق الإنسان في الأردن التي بقيت لسنوات طويلة محل التجاذب بين أصحاب المصالح وكان الخاسر الأكبر المجتمع والمواطن الأردني.
إن حالة قانون المسؤولية الطبية والصحية تقدم صورة واضحة عن واقع الفجوة التشريعية في العديد من المجالات نتيجة صراع المصالح والمماطلة؛ حيث دخلت بعض التشريعات ذمة التاريخ وهي في حالة انتظار في أحسن الأحوال أو في حالة إنكار نتيجة رفض جهات أو قوى سياسية أو اقتصادية لها حماية لمصالحها. لنأخذ على سبيل المثال تعديلات قانون الحق في الحصول على المعلومات الذي ما يزال يراوح مكانه نتيجة المماطلة الرسمية، أو تعثر تطوير حزمة التشريعات المعنية بتحديث حركة الاستثمار وقطاع الأعمال نتيجة للخوف على مصالح فئات معينة أو لحماية بعض الاحتكارات التاريخية.
صحيح أن قانون المسؤولية الطبية والصحية الذي سيرى النور قريبا سيشكل علامة فارقة في حماية حقوق المرضى والمساهمة في استعادة القطاع الطبي والصحي الأردني ألقه وجاذبيته، ورفع كفاءة الخدمة الصحية والحد من الممارسات السلبية على كوادر المهن الصحية ويحمي الأطباء من الاعتداءات المخجلة التي يتعرضون لها، إلا أن هذا القانون يحتاج الى إجراءات رسمية حمائية موازية لصاحب المصلحة الأول؛ أي المجتمع الأردني، وذلك من مخاوف متوقعة بزيادة كلفة العلاج والتأمين على المواطن الأردني، والمحافظة على تنافسية الخدمات الطبية الأردنية محليا ودوليا من المتوقع أن القانون سيزيد كلفة الفاتورة العلاجية على المواطن، وفي هذا الصدد كان المركز الوطني لحقوق الإنسان قد دعا الى “ضرورة دراسة إيجاد نظام للتأمين الشامل؛ لتغطية التعويضات المالية التي تقررها المحاكم، بحيث يتم التوافق على التفاصيل الخاصة به من قبل الجهات المختصة بالتعاون مع نقابة الأطباء”.
يقال إن بناء السمعة قد يستغرق 100 عام، فيما يمكن تشويهها بخمس دقائق أو خلال أيام. وهذا ينطبق على القطاعات الحساسة ذات الصلة بقرارات تتعلق بالصحة أو بمستقبل الأبناء أو حتى قرارات السفر. مسار بناء السمعة لقطاعات اقتصادية أو خدمية كبيرة، ليس مهمة الدولة وحدها، وليس مهمة القطاع الخاص أو المجتمع وحدهما؛ هذا المسار يحتاج إلى مسؤولية تضامنية مشتركة، وهذا ما تطلبه إدارة تداعيات بدء تطبيق هذا القانون لاحقا.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
40 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock