تحليل إقتصادي

المسؤولية المجتمعية

عدنان أحمد يوسف*

تشرفت مؤخرا بمنحي الجائزة الدولية للتميز في مجال المسؤولية الاجتماعية 2021، وذلك في إطار فعاليات الكونجرس الدولي للمسؤولية المجتمعية للعام 2021 برعاية فخامة رئيس وزراء جمهورية قيرغيزيا الذي نظمته الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية.
وفي البداية، أود أن أشيد بجهود الشبكة الإقليمية للمسؤولية المجتمعية التي أخذت على عاقتها مهمة التوعية بأفضل ممارسات المسؤولية المجتمعية وتشجيع وتحفيز أطراف العملية الإنتاجية والمجتمع كافة على تبنيها، حيث تتضاعف أهمية هذه المهمة في الوقت الحاضر لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، وكذلك نظرا لدورها على المدى البعيد في المساهمة في خلق اقتصاد مستدام يحافظ على النسق والقيم الاجتماعية والثقافية.
ونؤكد هذا الدور للمسؤولية المجتمعية، لكون مفهومها اليوم لم يعد يقتصر على الجوانب الخيرية والإنسانية والاجتماعية، بل بات يشمل جوانب عديدة مثل البيئة والتوظيف وجودة الخدمات والمنتجات المقدمة وتحويل الأموال والمنافسة والضرائب ونقل التكنولوجيا والشفافية ومحاربة الأمراض والأوبئة والتعليم والطاقة والمرأة والفئات غير القادرة في المجتمع.
لذلك، فإن نجاح المجتمع في تعظيم أثر المسؤولية المجتمعية يعتمد أساساً على التزامه بالمعايير الأخلاقية والحوكمية الضرورية مثل الاحترام والمسؤولية تجاه العاملين وأفراد المجتمع، وحماية البيئة سواء من حيث الالتزام بتوافق المنتج الذي تقدمه الشركة للمجتمع مع البيئة أو من حيث المبادرة بتقديم ما يخدم البيئة ويحسن من الظروف البيئية في المجتمع ومعالجة المشاكل البيئية المختلفة.
وعند الحديث عن المسؤولية الاجتماعية للشركات في دول مجلس التعاون الخليجي، يجب أن نلاحظ أولا أننا نتحدث عن مجتمعات إسلامية. ولعل هناك من الآيات والأحاديث الكثيرة التي تدل على التراحم والتصدق على الأقارب والفقراء وإغاثة الملهوف، ولعل أبرز ما في هذا هو موضوع الزكاة الذي يدخل في صميم التكافل الاجتماعي، بحيث تم إجبار القطاع الخاص على دفع الزكاة حسب نوع المنتج أو ما يملكه الشخص في هذا المجال.
وقد قام عدد من الدول الخليجية باعتماد المعايير العالمية الجديدة المتضمنة معايير المسؤولية الاجتماعية، بتضمين أربعة جوانب أساسية للمسؤولية الاجتماعية، وهي الجانب الثقافي والجانب الاجتماعي الحضاري والجانب البيئي والقانوني وشروط أخرى متعلقة بالتنمية الاقتصادية.
وعلى صعيد القطاع الخاص، فقد تواصلت المساهمات التنموية والاجتماعية للأفراد والشركات. ويمكن اليوم ملاحظة مئات الآلاف من المساجد والمدارس والمراكز الطبية وآبار المياه والمشاريع الإغاثية والتنموية ومراكز رواد الأعمال ومراكز تمكين المرأة ومراكز حماية البيئة بتمويل مجتمعي فردي ومؤسسي خليجي.
ولكوني أتحدث هنا كرجل مصرفي، يجب أن أنوه إلى أن البنوك تلعب دورا أساسيا في المسؤولية المجتمعية، بل فاقت القطاعات الأخرى نظرا لدورها الحساس في التأثير على البيئة وخلق الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة وتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وحماية حقوق الإنسان والمجتمع.
ويجب أن نشيد هنا أولا بدور مصرف البحرين المركزي في حث وتوجيه البنوك في البحرين للارتقاء بممارسات المسؤولية الاجتماعية إلى أعلى المستويات وإلزامهم بتوضيح هذا الدور بالتفصيل في تقاريرها السنوية.
كما يجب أن نشيد أيضا بالدور السخي للبنوك في البحرين ككل في برامج المسؤولية المجتمعية بالتبرع لإنشاء الكثير من المدارس والمستشفيات ودور الرعاية وحاضنات رواد الأعمال وغيرها.
كما برز دور البنوك في البحرين بشكل متميز وبارز خلال جائحة كورونا، حيث بادرت إلى تأجيل أقسام المقترضين، ما مكن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من مقاومة التداعيات السلبية للجائحة، كذلك حرصت على تطوير الخدمات الإلكترونية عبر الانترنت والموبايل، وذلك لحماية المجتمع من انتشار الجائحة، وتسهيل وتحسين جودة الخدمات المقدمة، والمساهمة في الشمول المالي.
كما لعبت جمعية مصارف البحرين أيضا دورا كبيرا في المسؤولية المجتمعية، خاصة أن أهداف الجمعية تقوم على ربط هذه الأهداف بالمسؤولية الاجتماعية مثل تشجيع أفضل الممارسات بين البنوك وتحسين مناخ الاستثمار وخدمة المجتمع المصرفي وغيره.
كما بذلت الجمعية جهودا كبيرة في تشجيع تطبيق الأنظمة المصرفية لذوي الاحتياجات الخاصة في البنوك حسب تعليمات مصرف البحرين المركزي. وشكلت الجمعية لجنة دائمة للمسؤولية الاجتماعية وهي حاليا تجتمع لتطوير أفضل ممارسات المسؤولية الاجتماعية لدى البنوك.
وفي الختام، نود أن نشير إلى أن مهام ومسؤولية القطاع الخاص تجاه المسؤولية المجتمعية يجب أن ننظر لها من منظار واسع، يؤخذ فيه بالاعتبار الأبعاد القيمية والأخلاقية الإسلامية، والمصالح المجتمعية العليا، وبالوقت نفسه مصلحة القطاع الخاص نفسه. فهذا القطاع لا يستطيع العيش والنمو وسط مجتمع ضعيف اجتماعيا واقتصاديا، فمن مصلحته أن يرى المجتمع سليما، والاقتصاد معافيا، والطلب متناميا لكي يحقق أهداف الشركة، وفي الوقت نفسه يحقق أهداف المجتمع.

*رئيس جمعية مصارف البحرين.. رئيس اتحاد المصارف العربية سابقا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock