أفكار ومواقف

المسؤول السابق عندما ينتقد

في الأردن، هناك نوعان من المسؤولين السابقين: كبار السن الذين فقدوا اتصالهم بالواقع ولم يستوعبوا التغيرات الكبيرة التي طرأت على بنية المجتمع الأردني وقيمه ولم يكلفوا أنفسهم عناء محاولة فهم التغيرات الدولية وإلى أين ستأخذ الكوكب برمته، وهالني حجم الخواء الفكري الذي يتسم به هذا النوع من المسؤولين الذين تحولوا إلى محللين سياسيين يرددون كلاما من دون تمحيص ومن دون قدرة على تقديم أي رؤية.
النوع الثاني هم المسؤولون السابقون في عهد المملكة الرابعة. وينقسم هؤلاء إلى قسمين، فمن جانب هناك الغاضب الذي يرى بأن النظام لم يُمكنه بما يكفي وهو لا يعترف بفضل النظام عليه في تحقيق مكانة مرموقة، واللافت أنه من دون انحياز النظام لهذه الشريحة في السابق ومن دون تغييب معيار الكفاءة لما تمكنوا من تحقيق جزء مما حققوه. هؤلاء أيضا تحولوا إلى محللين سياسيين وبعضهم استورد مقولات استشراقية ليقدمها وكأنها رؤية متماسكة تمكنهم من التأثير والقيادة في قادم الأيام. القسم الآخر اكتفى بمتابعة ما يجري وتحول بعضهم إلى مصدر لبث الأخبار لعل الحظ يبتسم لهم مرة أخرى.
في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ينظم المسؤول السابق في كثير من الأحيان إلى أحد مراكز التفكير وينخرط بمهمة جديدة ليس للمناكفة والتعبير عن الغضب وشعوره بالغبن وليس انتظارا ليبتسم له من جديد حظه العاثر ولكن لتقديم الحلول. بعضهم أيضا يلجأ لكتابة مذكراتهم ما يثري فهم الباحثين والمهتمين لدهاليز السياسة وصناعة القرار. وقدم زبيجنيو بريجنسكي نموذج المسؤول السابق الذي استمر في تقديم أفكار مفيدة من دون أن يكون له طموح في العودة إلى المشهد السياسي، وبالفعل استفادت أميركا من هذا المفكر الذي يقول فرانسيس فوكوياما بحقه إنه من الصعوبة بمكان أن نجد شخصا ثبتت صحة مواقفه من خلال مسار الأحداث التاريخية كما هو الحال مع بريجنسكي؛ فأغلب توقعاته تحققت.
وعودة على بدء، يمكن القول إن مساهمات المسؤولين السابقين في الحياة العامة متواضعة، فلا هم قدموا تصورات عملية تعكس “خبراتهم” ولا هم أسهموا في تنمية البلدات والقرى التي ينتمون إليها أو التي باسمها أصحبوا مسؤولين. والمفارقة أنهم تركوا مناطق سكناهم الأصلية واستقروا في عمان من دون أن يقوموا بأي دور لصالح مناطقهم الأصلية. هذه الشريحة من المسؤولين لم تعد في موقع تأثير ولا يمكن للنظام أن يتكئ عليها في قادم الأيام للتجسير والتواصل مع مناطقهم الأصلية.
مع استثناءات قليلة جدا، لم يفلح هؤلاء المسؤولون في تقديم سوى النقد للحكومات والوضع العام بشكل عام، طبعا لا أدافع عن الحكومة الحالية ولا من سبقها، لكن كثيرا منهم كانوا جزءا رئيسيا من هذه الحكومات ولم نسمع أن كان لهم موقف مختلف عن النهج الذي ينتقدونه! وهناك مفارقة تصل إلى حد الكوميديا تتمثل في الجرأة العالية لهذه الشريحة على النقد في أماكن مغلقة وبعضهم يلوذ بالصمت في العلن. بل إن أحدهم تحدث إلي عن عدم ثقته بالنهج العام وعن إيمانه العميق بأن هناك إصرارا على “تخريب” البلد، لكن هذا المسؤول السابق والجهبذ قبِل أن يدخل التعديل الحكومي بعد أسبوع واحد من نقده اللاذع لهذه الحكومة وغيرها من مؤسسات.
باختصار شديد، لا أصادر حق المسؤول السابق في نقد ما آلت إليه الأوضاع بشكل عام، لكن أعتقد أن على عاتق هذه الشريحة تقع مسؤولية تقديم الحلول والتصورات وليس فقط التحليل السياسي. في ندوة بالجامعة الأردنية قبل أسبوع لم أسمع من بعض المسؤولين السابقين سوى التحليل والنقد اللذين اتسما بالضحالة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock