أفكار ومواقف

المساعدات الخارجية وأهمية تنظيمها على نحو أفضل

       شكلت المساعدات المالية والعينية التي يتلقاها الاردن جزءا أساسيا من موارده المالية، والتي أصبحت مع مرور السنوات تزداد نسبتها من إجمالي الايرادات العامة ومن إجمالي الايرادات المحلية بما يتناقض مع الشعار المرفوع عاليا وهو شعار الإعتماد على الذات.



    وما يزيد من إعتمادية الأردن على المساعدات الخارجية هو الخلل البنيوي الذي يعاني منه الاقتصاد الأردني، نتيجة لضعف مقدرته على توليد مصادر مالية ذاتية كافية لمواجهة التوسع في حجم الإنفاق العام، وما نتج عن ذلك من عجز في الموازنة العامة للدولة ، كان ولا يزال مواجهته يعتمد بنسبة كبيرة على اللجوء للمساعدات الخارجية، فيما يتم تغطية الجزء المتبقى من هذا العجز باللجوء للإقتراض المحلي والخارجي. لقد ارتفعت اعتمادية المالية العامة على المساعدات الخارجية بنسبة كبيرة منذ عام 2003، فبينما شكلت المساعدات الخارجية ما نسبته 13.2% من إجمالي الإيرادات والمساعدات الخارجية فقد شكلت ما نسبته 15.2% من الإيرادات المحلية، ارتفعت على نحو كبير منذ عام 2003 حيث بلغت هذه النسبة 35.4% من إجمالي الايرادات والمساعدات الخارجية بينما بلغت 55% من الايرادات المحلية، أما في موازنة عام 2005 فقد بلغت هذه المساهمة  34.6% و53% على التوالي.



      فليس معقولا التعامل مع هذه الموارد المالية الضخمة بهذا القدر من اللامبالاة الحكومية، والتي إن دلت على شيء فتدل على غياب روح المسؤولية في التعامل مع متطلبات الوطن واحتياجاته ، فإذا كانت بعض فروع النشاط العام قد استدعت وجود مؤسسات تنظيمية خاصة بها تتمتع باستقلال مالي وإداري، فإن موضوع المساعدات الذي هو على قدر كبير من الأهمية والخطورة بأمس الحاجة لضبط وتنظيم حركته ، خصوصا أن بيانات هذه المساعدات يشوبها النقص والغموض ، فبينما تورد الحكومة الكثير من التفاصيل عن مكونات الإيرادات المحلية، فإنها لا تتيح عن المساعدات الخارجية سوى الرقم الإجمالي وهو ما لا يكفي.



     باعتقادي أن التعامل غير المنظم مع المساعدات الخارجية يثير الكثير من الريبة والشبهات، فالكل يدرك أن الحكومة حينما تنوى ضبط حساباتها وتحصيل أموالها في أي جانب تريده فهي أقدر ما تكون ، ونلمس ذلك في كثير من جوانب عملها ، حينما تحرص على تحصيل اموالها ليس إلى أقرب دينار بل إلى أقرب قرش، إذ لا يمكن تصور أن الحكومة يمكنها تجديد رخصة إقتناء سيارة لمواطن ما لم تستوف منه كامل الرسوم المقررة دون أن ينقص منها ولو دينار واحد ، وهناك مئات الأمثلة المشابهة ، كما لا تتردد بحصر إيراداتها ونفقاتها النهائية في بنود رئيسية وفرعية بكل دقة وكفاءة ووضوح، بينما تظهر مبالغ المساعدات الخارجية التي تقدر بمئات الملايين من الدنانير برقم إجمالي واحد دون أية تفاصيل ، وهو ما يثير الكثير من الريبة وعلامات الاستفهام حول الكيفية التي يتم بها انفاق تلك المساعدات والجهات المستفيدة منها. 



      إن مقتضيات الشفافية خصوصا في الجوانب المالية، تتطلب من الجهات المعنية تقديم مزيد من المعلومات الدقيقية عن هذه المساعدات وعدم الاكتفاء بذكر إجماليها، إذ من الضروري تحديد قيمة المساعدات التي تلقاها الاردن من المساعدات النفطية العراقية التي كان يستلمها سنويا منذ أكثر من عقدين من الزمن طالما أن الحكومة قد عادت بأثر رجعي لاحتساب قيمة الدعم الذي كانت تقدمه للمحروقات، ومن الضروري بيان قيمة المساعدات النفطية التي تلقاها الأردن من كل من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة والكويت، والمساعدات التي تلقاها من الولايات المتحدة الامريكية ومن باقي الدول، ومن المنظمات والمؤسسات الدولية، كذلك ضرورة تصنيف هذه المساعدات من حيث كون بعضها نقدي وبعضها الآخر عيني، وتصنيفها ايضا من حيث الجهة التي يتم الاستلام من خلالها كوزارة المالية أو التخطيط أو الطاقة والثروة المعدنية المعنية بالمستوردات النفطية  ، وما يؤول من تلك المساعدات إلى موازنة الحكومة، وما يتسرب خارجها، كل هذه الترتيبات تحتاج الى جهة مرجعية تضطلع بهذه المهام جميعا، بحيث تتوخى أعلى درجات الدقة والمصداقية في هذا الجانب ، بما يزيد من مصداقية الأردن وموثوقيته لدى الجهات المانحة، مما يحفزها على مواصلة تقديم هذه المساعدات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock