ترجمات

“المساواتية”: ربما تكون اللامساواة في الدول الغنية أقل مما يعتقد الكثيرون

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 28/11/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

حتى في عالم يحكمه الاستقطاب، والأخبار المزيفة ووسائل التواصل الاجتماعية، ثمة بعض المعتقدات التي تظل عالمية ومركزية لصنع السياسات اليوم. وليس بينها ما هو أبعد تأثيراً من فكرة أن اللامساواة ارتفعت في العالم الغني. ويقرأ الناس عن هذه الفكرة في الصحف ويسمعونها من السياسيين ويشعرون بها في حياتهم اليومية. ويشكل هذا الاعتقاد حافزاً للشعوبيين، الذين يقولون إن النخب الحضرية الأنانية سحبت سُلَّم الفرص بعيدا عن متناول الناس العاديين. وقدّم الاعتقاد عوناً لليسار، الذي اقترح طرقاً أكثر تطرفاً لإعادة توزيع الثروة. كما أنه أثار القلق بين جماعة أقطاب الأعمال الذين يدَّعي الكثيرون منهم الآن السعي إلى تحقيق هدف اجتماعي أعلى، خشية أن يُنظَر إليهم على أنهم مشاركون في نموذج للرأسمالية يعرف الجميع أنه فشل.
من نواح كثيرة، كان هذا الفشل حقيقياً. فالفرص محدودة. وكلفة التعليم الجامعي في أميركا ارتفعت لتتجاوز قدرة العديد من الأسر. وفي جميع أنحاء العالم الغني، مع ارتفاع الإيجارات وأسعار المنازل، أصبح من الصعب تحمل تكاليف العيش في المدن الناجحة التي تحتوي على معظم الوظائف. وفي الوقت نفسه، أدى تآكل الصناعات القديمة التي أصابها الصدأ إلى تركيز الفقر في مدن وبلدات معينة، وخلَق جيوب حرمان واضحة تماماً للعيان. وإلى حد ما، تزداد حالات عدم المساواة في الصحة والعمر المتوقع سوءاً.
ومع ذلك، وبالتحديد لأن فكرة ارتفاع منسوب اللامساواة أصبحت اعتقاداً شبه عالمي، فإنها لا تتلقى سوى القليل من التدقيق. وهذا خطأ، لأن الأعمدة الأربعة التجريبية التي يرتكز عليها المعبد -والتي لا تتعلق بالإسكان أو الجغرافيا، وإنما بالدخل والثروة- ليست قوية كما قد يعتقد المرء. وكما تُظهر إحاطتنا لهذا الأسبوع، فإن هذه الركائز الأربع تتزعزع بسبب الأبحاث الجديدة.
فلنفكر أولاً في الادعاء بأن الـ1 % من أصحاب أعلى الدخول أصبحوا منفصلين عن كل الآخرين في العقود الأخيرة، والذي ترسخ بعد حركة “احتلوا وول ستريت” في العام 2011. كان من الصعب دائماً إثبات ذلك خارج أميركا. في بريطانيا، ليست حصة الـ1 % الأعلى دخلاً أكثر الآن مما كانت عليه في منتصف عقد التسعينيات، بعد التعديلات التي أجريت على الضرائب والتحويلات الحكومية. وحتى في أميركا، تشير البيانات الرسمية إلى أن المعيار نفسه ارتفع حتى العام 2000، ثم أصبح منذ ذلك الحين يتقلب حول اتجاه ثابت. ومن السهل نسيان أن أميركا وضعت العديد من السياسات في العقود الأخيرة التي قللت من التفاوت، مثل التوسع في العام 2014 في التأمين الصحي الذي تموله الحكومة للفقراء.
الآن أعاد بعض الاقتصاديين جمع الأرقام وخلصوا إلى أن حصة الـ1 % الأعلى دخلاً في أميركا ربما تغيرت قليلاً منذ وقت طويل مضى مثل العام 1960. وهم يقولون إن الباحثين السابقين أساؤوا التعامل مع بيانات الإقرار الضريبي، والتي أدت إلى هذه التقديرات عن اللامساواة. كما أن النتائج السابقة ربما فشلت في أن تأخذ في اعتبارها انخفاض معدلات الزواج بين الفقراء، وهو ما يقسم الدخل بين المزيد من الأسر -وإنما ليس بين المزيد من الناس. وربما تتدفق حصة أكبر من أرباح الشركات على أفراد الطبقة الوسطى مقارنة بما كان يحدث سابقاً، لأنهم يمتلكون الآن أسهمهم الخاصة من خلال صناديق التقاعد. في العام 1960 كانت حسابات التقاعد تمتلك 4 % فقط من الأسهم الأميركية. وبحلول العام 2015، كان الرقم 50 %.
العمود الثاني المتذبذب هو الادعاء ذو الصلة بأن دخل الأسرة وأجورها كانت راكدة على المدى الطويل. وتتراوح تقديرات نمو الدخل المتوسط المعدل بالتضخم في أميركا في الفترة 1979-2014 بين انخفاض بنسبة 8 % وزيادة بنسبة 51 %، ويميل مسؤولو الحزبين إلى اختيار شخصية تروي القصة المناسبة. ويعكس هذا التباين الكبير الاختلافات في كيفية التعامل مع التضخم والتحويلات الحكومية وتعريف الأسرة، لكن من الصعب تصديق أقل الأرقام. فإذا جادلت بأن الدخل قد تقلص، فعليك أيضاً أن تدعي بأن الابتكار الذي دام أربعة عقود في مجال السلع والخدمات، بدءاً من الهواتف المحمولة وبث الفيديوهات إلى العقاقير المخفضة للكوليسترول، لم يحسن حياة أصحاب الدخل المتوسط. وهذا ببساطة تقدير غير موثوق.
ثالثاً، هناك الفكرة القائلة إن رأس المال انتصر على العمالة؛ حيث استغلت الشركات الثرية التي يمتلكها الأغنياء عمالها، ونقلت الوظائف إلى الخارج وقامت بأتمتة المصانع. وكان الادعاء بأن عدم المساواة يكون مدفوعاً بتراكم رأس مال الأغنياء هو الأطروحة المركزية لكتاب توماس بيكيتي، “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”، الذي جعله في العام 2014 أول خبير اقتصادي يشبه نجوم الروك منذ أن ملأ ميلتون فريدمان القاعات بالمحاضرات غير المناسبة في الثمانينيات. وليست كل نظريات السيد بيكيتي شائعة بين الاقتصاديين، لكن من المفترض على نطاق واسع أن حصة متناقصة من الناتج المحلي الإجمالي للعالم الغني تذهب إلى العمال، بينما تذهب حصة متزايدة إلى للمستثمرين. وبعد عقد من الارتفاع الحاد في أسعار الأسهم، أصبح لهذا التصور بعض الصدى لدى الجمهور.
ومع ذلك، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الانخفاض في حصص العمال يفسَّر في معظم البلدان الأكثر غنى بالعوائد الهائلة لمالكي المنازل وليس لكبار رجال الأعمال. استبعِد الإسكان وأرباح الذين يعملون لحسابهم الخاص (والتي يصعب تقسيمها بين رأس المال وإيرادات العمل)، وستجد أن حصص العمال لم تنخفض في معظم البلدان. وكانت أميركا منذ العام 2000 استثناءً. لكن هذا يعكس فشل التنظيم، وليس عيباً أساسياً في الرأسمالية. كانت هيئات مكافحة الاحتكار والمحاكم الأميركية متساهلة بشكل لا يغتفر، مما سمح لبعض الصناعات بأن تصبح متركزة للغاية. وقد مكن هذا بعض الشركات من ابتزاز عملائها وحجز أرباح عالية بشكل غير طبيعي.
أما الركن الأخير، فهو أن اللامساواة في الثروة -الأصول التي يملكها الناس، مطروحاً منها التزاماتهم- كانت في ارتفاع. ومرة أخرى، كان إثبات هذا دائماً أصعب في أوروبا منه في أميركا. في الدنمارك، أحد الأماكن القليلة التي تعرض بيانات مفصلة، لم ترتفع نسبة الـ1 % الأعلى دخلاً منذ ثلاثة عقود. وعلى النقيض من ذلك، سوف ينكر القليلون حقيقة أن أكثر الأميركيين ثراءً قفزوا إلى الأمام. ولكن حتى هنا، من الصعب جداً تقدير هذه الثروة.
تشير حملة إليزابيث وارين، المتنافسة الرئاسية الديمقراطية، إلى أن حصة الثروة التي يملكها أغنى 0.1 % من الأميركيين ارتفعت من 7 % في العام 1978 إلى 22 % في العام 2012. لكن التقديرات الأخيرة المعقولة تشير إلى أن ذلك الارتفاع لم يتجاوز نصف هذه التقديرات الكبيرة. (بالنسبة للخبراء، يعتمد الاختلاف على العامل الذي تقوم من خلاله بزيادة ثروة المستثمرين من دخل رأس المال الذي يفصحون عنه لرجل الضرائب). ويمثل هذا الشكل من عدم الدقة مشكلة للسياسيين، بمن فيهم السيدة وارين وبيرني ساندرز، الذين يريدون استيفاء الضرائب عن الثروة، لأن ذلك ربما يجمع إيرادات أقل مما يتوقعون.
لا تقلل حقيقة وجود ادعاءات مشكوك فيها حول عدم المساواة من الضرورة الملحة لمعالجة الظلم الاقتصادي. لكنها تدعو إلى ضمان دقة الافتراضات التي تستند إليها السياسات. وعلى أولئك، مثل حزب العمال البريطاني، الذين يفضلون إعادة التوزيع الجذري للدخل والثروة، أن يتأكدوا من أن منسوب اللامساواة مرتفع كما يعتقدون، خاصة عندما تأتي سياساتهم تكاليف باهظة مثل تثبيط المخاطرة والاستثمار. وحسب أحد التقديرات، فإن ضريبة وارين على الثروات ستجعل الاقتصاد الأميركي أصغر بنسبة 2 % بعد عقد من الزمن.
وإلى أن يتم حل هذه المناقشات، سيكون من الأفضل لصانعي السياسة التمسك بأرض أكثر صلابة. إن أسواق الإسكان في العالم الغني تعمل على تجريد الشباب من النقود والفرص؛ وهناك حاجة إلى المزيد من المباني في الأماكن التي توفر وظائف جذابة. ويحتاج الاقتصاد الأميركي إلى إحداث ثورة في تطبيق مكافحة الاحتكار لتنشيط المنافسة. وبغض النظر عن اتجاهات اللامساواة، فإن الكثير من العمال ذوي الدخل المرتفع، بمن فيهم الأطباء والمحامون والمصرفيون، يتمتعون بالحماية من المنافسة عن طريق التنظيم والترخيص بلا داع والقيود التي لا معنى لها على الهجرة عالية المهارات، وكلاهما يجب تخفيفهما.
سوف يتطلب مثل هذا البرنامج من الحكومات أن تتعامل مع المعترضين على التغيير ولوبيات الشركات. لكنه سوف يقلل من عدم المساواة ويعزز النمو. ولا تعتمد فوائده على مجموعة من المعتقدات حول الدخل والثروة، والتي يمكن أن يتبين خطؤها لاحقاً.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Egalitarianism: Inequality could be lower than you think

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock