أفكار ومواقف

المستقبل التزام وليس خوفا

تقدم رئيسة الاتحاد العالمي لدراسة المستقبليات؛ جينيفر م. غيدلي في كتابها المستقبل: مقدمة وجيزة وعرضا تاريخيا جميلا للتفكير المستقبلي منذ ثلاثة آلاف عام، مؤملة كما تقول أن يتحول الفكر المستقبلي إلى ثقافة عامة ومهارة يكتسبها جميع الناس كما المؤسسات، ذلك أن علم المستقبل هو ببساطة فن وعلم تحمل مسؤولية العواقب بعيدة المدى لقراراتنا وأفعالنا اليوم. وفي ذلك فإن المستقبل وإن كان يؤشر إلى المخاوف والقلق فإنه يفتح مجالات واسعا للاستعداد والعمل والأمل أيضا.
لقد قدمت المستقبل مؤسسات ودراسات على أنه كارثة ورعب، ربما لأجل التحذير من مخاطر قادمة أو محتملة مثل التغير المناخي أو التلوث أو النزاعات أو الموارد، لكن المستقبل يغلب عليه أنه مثل الحاضر يحمل في الوقت نفسه الخير والشر والضرر والنفع والأمل والخوف. وباعتبار المستقبل متعدد الأوجه كالبشرية ذاتها، فلن يكون ممكنا معرفته بالكامل، أو توقعه أو التحكم به، إنما يمكن فهمه والتأثير فيه على نحو أفضل.
ارتبط الناس على مدى التاريخ بالمستقبل، وتحدث عنه الأنبياء والكهنة، كما كان موضوعا للخيال والتفكير والدراسات والأفلام والروايات، وجرى احتلاله وتخيله وصياغته والتفكير به والاستعداد له، ولم يعد مستقبلا واحدا ولا مسارا حتميا ، إنه ليس قدرا يجري توقعه، لكنه موضوع نشكله وفق تجاربنا وأفكارنا وحرياتنا، هكذا نمضي في رسم مستقبلات عدة ممكنة وبديلة ومرغوبة وأخرى يجب تجنبها، هو ببساطة محصلة أفكارنا واستعداداتنا.
يمكن بناء منظومات للتعاون والتفكير والعمل المشترك لمواجهة التحديات وتوظيف الفرص، ويكثر الحديث اليوم عن التغير المناخي والتلوث البيئي وما يتعرض له محيطنا الحيوي من تهديد بفعل الإدارة غير الرشيدة للأرض والموارد وبسبب النزاعات والخوف والفشل والجهل والفقر، لكن ذلك لا ينفي قدرتنا على إبداع المستقبل على نحو ما نرغب فيه؛ رغم ما يبدو من استحالة أو صعوبة تجاوز كثير من الأحداث القادمة أو المحتملة، لكن لا نملك خيارا سوى العمل والمحاولة، فلا نملك ترف التجاهل أو عدم الاهتمام او عدم إدراك المخاطر.
بدأ المستقبل عملا للعرافين والكهنة، لكن في القرن الرابع قبل الميلاد وضع أفلاطون تصوره للمدينة الفاضلة، واعتبر ذلك تفكيرا مستقبليا لمجتمع العدالة، ويقال إن أفلاطون استوعب الفكر العلمي والرياضي المتقدم لفيثاغورس لأجل تحويله إلى تصور فلسفي اجتماعي، وفي القرن الخامس الميلادي وضع أوغسطينونس تصورا دينيا فلسفيا للمجتمع المثالي “مدينة الله” ثم تحدث يواكيم الفيوري في القرن الثاني عشر عن ثلاثة عصور عظيمة على الأرض، وتنبأ روجر بيكون (1260) في كتابه رسالة في الأعمال السرية باختراع السيارات والطائرات التي تتحرك بقوة ذاتية ولا تجرها خيول وحيوانات أو تحملها طيور. وقدم ابن خلدون (1378) تفسيرا نظريا وعلميا للتغير الاجتماعي استخدمه للتوقع والتفكير المستقبلي في مسار ومصير الأمم، وقدم دافينشي (1485) تصاميم للآلات والطائرات.
وبدأ المستقبل في القرن السادس عشر يتحول إلى موضوع علمي ومنطقي، بدءا بكوبرنيكوس ثم فرانسيس بيكون وديكاترت وغودوين، وغيرهم، وكانت جميع أعمالهم وأفكارهم تركز على التنبؤ العلمي ومسار العلم والتكنولوجيا. ويعد اسحق نيوتن (1687) مؤسس العلم الحديث، من فتح المجال لسلسلة من الأعمال العلمية الكبرى، مثل لايبيتز ودارون في أصل الأشياء وتطورها، ولا ميتري “الإنسان الآلة” وتورغو “مراجعة فلسفية لضرون التقدم المتتالي للعقل البشري، وديدرو “الموسوعة” ورغم أنه عمل يبدو اليوم تقليديا لكنه أسس للتقدم العلمي في فرنسا وأوروبا، وخاصة التفكير العلمي في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وروسو “العقد الاجتماعي” وجاءت في هذا السياق الثورات الكبرى: البريطانية (1689) والأميركية (1776) والفرنسية (1789) والآلة البخارية (1786).
وأما القرنان التاسع عشر والعشرون فقد شهدا ثورة علمية وتكنولوجية تشبه الانفجار المعرفي، وصحبها موجة واسعة ومعقدة من التفكير المستقبلي، والتي تحتاج إلى وقفات طويلة ومتكررة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock