آخر الأخبار حياتناحياتنا

“المستقرضات”.. التقاء الموروث بتقلبات الطقس

كبار السن يسردون للأحفاد قصصا وأساطير تتطابق مع أحداث طبيعية

تغريد السعايدة

عمان- ما أن يجتمع أفراد الأسرة في إحدى ليالي الشتاء، إلا ويبدأ كبار السن بسرد قصص شعبية تتطابق مع أحداث طبيعية تمر بها الأجواء المناخية، كما في تقاسيم الشتاء، من “الأربعينية، والخمسينية”، ولكل منها قصة يستمتع بسماعها الأبناء والأحفاد.
ولكن، هناك جانب من فصل الشتاء، وهو “المستقرضات”، أو “ايام العجائز”، التي تحمل في طياتها قصة طريفة تحاكي أسبوعا من فصل الشتاء، بالتزامن مع نهاية شهر شباط (فبراير) وبداية آذار (مارس)، إذ يجد كثيرون انها تتطابق بالفعل مع قصة قديمة استمعوا لها في طفولتهم من الأجداد.
في كل عام من هذه الفترة، تستذكر السبعينية أم عبد الكريم، قصة المستقرضات، وتعاود تكرارها على أبنائها وأحفادها، لتؤكد لهم أن هذا الفصل ما يزال يحمل في جعبته الكثير من الشتاء والخير، ويزداد في ايام العجائز، إذ تسرد القصة التي حفظت أحداثها من أجدادها ووالديها، لتكون موقنة بالأحداث كما هي، وإن كانت من الأساطير، وتستمتع بتكرارها تزامنا مع الأحوال الجوية في الايام المقبلة.
هذه القصص تضم تفاصيل أقرب إلى حياة الإنسان لسهولة السرد وإيصال المعلومة.
وفي قصة المستقرضات، يقول الباحث والخبير في التراث الأردني الدكتور نايف النوايسة ان ما يقوم به الإنسان عبر التاريخ من ذكر للأحداث، ما هو إلا وليد الملاحظة والتجربة، كما هو متعارف عليه في البيئة الشعبية الأردنية والعربية بشكل عام.
ويضيف النوايسة أن الإنسان إذا ما استعصى عليه أن يجد تفسيراً علمياً للكثير من الظواهر الفلكية والمناخية، فإنه يميل إلى التفسير الشعبي، وهو أقرب ما يكون إلى الخيال والأساطير.
وبحسب نوايسة، فإننا في البيئة الأردنية، وخاصة البدوية والقروية، “نتوارث تلك القصص و”المتحجرات” الشعبية، ونحتكم إليها إذا ما وافق التفسير الشعبي فيها التفسير العلمي، ومن الأمثلة عليها قصة “المستقرضات”.
وفي تفاصيل تلك القصة، يقول النوايسة إن المستقرضات هي اربعة ايام من شهر شباط (فبراير)، وثلاثة من شهر آذار(مارس)، وهي فترة لها علاقة بـ “السعدات” المعروفة، مثل سعد الذابح، سعد السعود، وغيرهما، من المسميات في هذه الفترة المناخية، ولأن طبيعة المناخ في بلادنا تحتم على الإنسان أن يسجل ويراكم ملاحظات، ويجد من خلالها التجربة، وبعد التجربة تصبح من المسلمات، ولا “نجادل كبار السن فيها، كونها مبنية على الملاحظة والتجربة المتراكمة”.
وفي الأسطورة الشعبية، فإن الإنسان حول شهري شباط (فبراير) وآذار (مارس) إلى أشخاص يتبادلون الحوار، حيث يسارع شباط (فبراير) في آخر ايامه للطلب من “ابن عمه” آذار (مارس) أن يسنده بثلاثة ايام لينهي اسبوعا كاملا من البرد القارس والشتاء الشديد الذي قد يرفع منسوب المياه في الأنهار والسيول، ويقول له مخاطباً “آذار يا ابن عمي هات ثلاثتك على أربعي خلي العجوز في الواد تقرعي”، وتقرعي بمعنى “تسيل في النهر”.
وسبب هذا الحوار حسب الأسطورة، أن العجور قالت كلاماً لغنماتها تطالبهن بالتروي، وتقول لهن إن شباط (فبراير) لم يعد فيه مطر وسيول، وبحسب إحدى الروايات فإن العجوز تقول للأغنام “فات شباط الخباط وما أخذ مني لا نعجة ولا رباط، وضربنا على ظهره بالمخباط”، فما كان من شهر شباط (فبراير) إلا أن أحس بالغضب والإهانة والتقليل من شأنه من هذه العجوز التي تسكن بالقرب من أحد السيول، كما تدعي الرواية. وهذا ما دفعه إلى أن يشتد بالأمطار الغزيرة والبرد القارس، ويزد من ذلك بأن يطلب من آذار(مارس) أن يسعفه بثلاثة ايام أُخريات، ليزيد من وطأة الشتاء والهطل والبرد على العجوز وغنماتها، وهو ما حدث بالفعل، فكان أن اشتد الهطل وغرقت العجوز وغنماتها في النهر من سوء الأحوال الجوية في هذا الوقت.
ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الحالة الجوية الاستثنائية تحدث سنوياً في التوقيت ذاته، ولكن بسبب المناخ وتغير الأحوال الجوية، أوجد الإنسان هذه القصة الأسطورة من أجل توثيق التوقيت للحالة الجوية وأن يعرف اللاحقون الذين يتوارثون هذه القصة أنه في كل عام من هذا الوقت ستكون الحالة الجوية المتوقعة ماطرة وشديدة الهطل والبرودة.
ويؤكد النوايسة أن هذه الروايات قد لا تكون موجودة في باقي الحضارات او الثقافات الشعبية الأخرى في العالم، ولكنها موجودة في تراثنا بسبب أن المناخ لم يتغير، وفي كل عام عادة تحدث الأمور ذاتها، وتعلق تلك الأحداث في ذهن الإنسان، وتبقى موروثا شعبيا يؤرخ للأحداث الزمنية، ومثلا شعبيا يتكرر في كل مرة تحدث فيها هذه الأمطار.
ويشار إلى أن الكثير من الأحداث والأحوال الجوية في المنطقة، عادةً ما يربطها الموروث الشعبي بقصص وروايات تنسجم مع الواقع، كما في “شباط الخباط، شمس اللوز، السعدات الأربع، شتوة نيسان، أربعينية الشتاء..”، وغيرها الكثير من الوقائع المناخية التي هي في الواقع فصل الشتاء في الأردن وما حولها.
المختص بعلم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع يبين أن الموروث الشعبي سواء المتعلق بالقصص والحكايات او الشعر او كل أنواع الموروثات الشعبية، يشكل جزءا من الذاكرة والثقافة وجزءا من المعارف، لذلك لها تأثير قوي على المجتمعات باختلافها.
ويبين جريبيع أن من الأمثلة الكثيرة على تأثير تلك الموروثات على الناس، الأفكار والقصص المتعلقة بالصحة مثل العلاجات الشعبية التي تتناقلها الأجيال، وكثير من كبار السن الذين يعرفون أحوال الطقس على حركة النجوم وشكلها، وتقسيماتهم بالسنة الهجرية أو الأشهر، وجزء كبير منها صحيح كونها تتعامل مع الطبيعة والبيئة وكل شيء محيط.
وبحسب جريبيع، فإن الموروث الشعبي تتوارثه الأجيال، لذلك على المؤسسات المختصة بالموروث الشعبي أن تُسجله وتحفظه لانه جزء من الثقافة والذاكرة والسلوك، وجزء مهم من بناء الهوية الوطنية، لذلك ينبغي ان يكون هناك اهتمام اكبر بالموروثات، والقصص والحكايات والأساطير في الأردن، إذ أن كل شيء يرتبط بحدث أو مناسبة توثق لشيء ما، لتتحول بعد ذلك لقصة واسطورة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock