صحافة عبرية

المستوطنون عقبة كأداء لحياة الفلسطينيين

هآرتس

عميرة هاس

1/3/2019

التصعيد الذي يشعر به الفلسطينيون جيدا في الضفة الغربية هو قبل كل شيء من عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين. الافتراض السائد هو أن هذا التصعيد سيستمر فقط. عندما الجيش والشرطة بشكل خاص والمجتمع الإسرائيلي بشكل عام يقفون جانبا ولا يحاولون أو لا ينجحون في صده في أفضل الحالات، ويدعمونه ويشجعونه في حالات اخرى.
الخوف يظهر في المحادثات عما هو متوقع في المستقبل القريب، في اختيار مسارات السفر التي تبتعد عن المستوطنات والتنازل عن الذهاب إلى الحقل أو المرعى بسبب قربها من المستوطنات العنيفة. الدخول المتوقع لكهانيين واضحين إلى الكنيست، وبتشجيع من رئيس الحكومة، يدل على انهيار حاجز آخر في المجتمع الإسرائيلي قبل تطبيق نوايا المطالبين بالطرد الجماعي بشتى انواعه.
في نفس الوقت الشعور بالالحاح الشعبي لا يجد تعبيره في سياسة القيادات الفلسطينية المتخاصمة. حماس وفتح استمرتا هذا الأسبوع أيضا في محاولة لي الاذرع المتبادل. حماس بادرت إلى مظاهرة جماهيرية في غزة، وبدعوة محمود عباس بالرحيل من منصبه كرئيس. في الوقت الذي كان فيه يشارك في مؤتمر هو الاول من نوعه للاتحاد الاوروبي والدول العربية، في شرم الشيخ في مصر. ويطالب بحماية الدول المشاركة من التصعيد في سياسة إسرائيل ضد شعبه. فتح ردت بمظاهرات تأييد لعباس في مدن الضفة الغربية.
سلطات حماس اعتقلت بضع عشرات من نشطاء فتح في غزة، الذين دعوا هم أيضا للتعبير عن التأييد لزعيمهم. الشرطة في غزة فرقت وهاجمت متظاهري فتح في مخيمات اللاجئين النصيرات وجباليا، كما وثقها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في بيان انتقادي منه لنشاطات حماس. نشطاء سياسيون من خارج الحركتين اعربوا عن الصدمة من تبديد الوقت والطاقة على الصراعات بين الفصائل.
يبدو أنه حتى الزعيم السابق لحماس، خالد مشعل، شعر بعدم الارتياح من مظاهرة “ارحل” التي بادرت اليها حماس. حسب تقرير في موقع “سما” في غزة، قال إنه رغم خطوات عباس ضد حماس وغزة (أي تقليص وتجميد الرواتب والمخصصات) إلا أن رئيس فتح قوي في معارضته لصفقة القرن لترامب، لذلك يجب الوقوف إلى جانبه ودعمه.
ورغم العداء والتشويه المتبادل فإن هناك شبها كبيرا في اعمال القيادتين. كل واحدة تعمل في طرفين متعاكسين. من جهة كمشغلة ومسؤولة عن دفع رواتب في المجال العام، هما تديران حياة السكان اليومية في الجيوب. مثلا، بسبب الحالة الجوية العاصفة في الضفة أعلن المتحدث بلسان الحكومة في رام الله عن تعطيل الدراسة في كل المدارس، وبداية يوم العمل في المكاتب الحكومية الساعة التاسعة.
وزارة الداخلية في غزة أعلنت من جانبها من هم المسافرون الذين سجلوا للخروج من معبر رفح والذين جاء دورهم كي يستقلوا الحافلات التي ستنقلهم إلى الجانب المصري من الحدود. مهم أن تكون في الساعة السادسة والنصف صباحا في قاعة المغادرين في رفح، تمت الاشارة في بيان وزارة الداخلية.
من جهة اخرى، القيادتان تمثلان على الاقل في نظر انفسها وفي نظر مؤيديها مبدأ المقاومة للاحتلال الإسرائيلي والنضال من اجل الاستقلال. تكتيك النضال الحالي لحماس، المظاهرات الشعبية، البالونات الحارقة، التسلح والاستخدام المتبجح للسلاح كرد على اقتحامات إسرائيل العسكرية، يشبه من ناحيتين رئيسيتين تكتيك السلطة الفلسطينية، الدبلوماسية والدبلوماسية ثانية، وتأييد لفظي خفيف خارج الخدمة للنضال الشعبي غير المسلح الذي لا يقلع.
هذان التكتيكان يحافظان على “القضية الفلسطينية” كموضوع دولي، رغم أن هذه فترة مليئة بالمواضيع المشتعلة الاخرى، وهما فشلتا في الجبهة الاساسية للاحتلال: هما لا توقفان التمدد الاستيطاني الرسمي لإسرائيل في الضفة وفي القدس، ولا تدافعان عن الفلسطينيين المعرّضين لعنف المستوطنين. الدول الأوروبية والعربية تواصل التبرع المالي من اجل وقف كارثة اقتصادية فلسطينية، ستؤثر سلبا أيضا على إسرائيل. ولكنها تكتفي بانتقاد خفيف لسياسة الاستيطان.
جهات أمنية إسرائيلية تطرقت إلى الزيادة في الاجرام القومي المتطرف لليهود ضد الفلسطينيين. قبل شهر قتل مواطنون إسرائيليون مسلحون حمدي النعسان خلال اقتحام قرية المغير. الشرطة في الحقيقة اخذت شهادات من القرية، لكننا لا نعرف عن اعتقالات لمشبوهين. في 21 شباط اقتحم إسرائيليون المنطقة الواقعة بين قرية الجانية وقرية رأس كركر غرب رام الله، وثقبوا اطارات تسع سيارات، ورشوا كتابات بالعبرية، قبل اسبوع من ذلك تم تخريب 20 سيارة في قرية سكاكا في سلفيت وتم رش كتابات بالعبرية.
هذه أعمال تكرر نفسها، تظهر جرأة متزايدة لمنفذيها وثقة بألا يلقى القبض عليهم وحتى اذا القي القبض عليهم، لن يعاقبوا. الفلسطينيون الذين هوجموا يقل احتجاجهم اكثر فأكثر في الشرطة لأن تجربتهم تدل على أن الشرطة والشباك لا يحققون في احداث العنف الأقل من قتل، التي ينفذها إسرائيليون. لذلك، يزداد الخوف من أن سلطات تطبيق القانون لن تعرف ولا تستطيع أن تمنع في المستقبل نشاطات قرصنة إسرائيلية عنيفة مثل طرد الفلسطينيين من القرى أو اطلاق النار والقتل الجماعي.
نجاح جمعيات المستوطنين في طرد الفلسطينيين من بيوتهم في شرقي القدس، حتى بمصادقة قضاة إسرائيليين، يرسم الاتجاه الذي يسعى اليه قطاع آخذ في التزايد والتعزز في المجتمع الإسرائيلي. وقف نشاط طاقم المراقبين الدولي “تي.آي.بي.اتش” في الخليل تم أيضا بروح مطالبات المستوطنين. طاقم المراقبين صحيح أنه لم ينجح في أن يمنع طوال سنوات تفريغ مركز المدينة من سكانه الفلسطينيين بسبب ضراوة المستوطنين والاوامر العسكرية التي تقيد الحركة في المدينة على غير اليهود والسياح.
ولكن مع طرد المراقبين، الفلسطينيون يصبحون معرّضين اكثر لعربدة الجيش وعدوانية المواطنين الإسرائيليين. أيضا الدخول اليومي لإسرائيليين إلى المسجد الاقصى يعتبر اقتحام لاهداف سيطرة وتقسيم الصلاة فيه في الاوقات والمساحات بين اليهود والمسلمين مثلما فعلوا في الحرم الابراهيمي.
مواقع رعي استيطانية إسرائيلية غير قانونية التي ازدادت في السنوات الاخيرة، تدفع بصورة ممنهجة ومحسوبة ارجل الرعاة الفلسطينيين واغنامهم من مناطق طوال سنوات استخدمت كمناطق مرعى لهم وتبعد الناس عن حقولهم وبساتينهم.
هذا هو الوضع، مثلا، مع “بؤرة أوري الاستيطانية” التي تحاذي المحمية الطبيعية أم زوكا. لقد اقيمت قبل سنتين ونصف وحصلت في البداية على المياه من الموقع العسكري المحاذي. بعد ذلك تحركت عدة امتار والآن تحصل على المياه المتدفقة التي تصل اليها من مستوطنة مجاورة. مصدر أمني قال للصحيفة إنه رغم أوامر الهدم التي اصدرتها الإدارة المدنية كل مباني البؤرة، إلا أنها تواصل الوجود والتطور بفضل أمر صريح لقائد منطقة الوسط بعدم اخلائها. وجاء ردا على ذلك من المتحدث بلسان الجيش بأن “قرار اخلاء البؤر الاستيطانية يتم وفقا لاعتبارات عملياتية وسلم أولويات ووفقا لتوجيهات المستوى السياسي”.
خلال عشرات السنين اخرج الرعاة قطعانهم إلى مرعى في هذه المنطقة دون ازعاج. منذ اقامة البؤرة الاستيطانية في اعقاب تهديدات سكانها المسلحين، أو اوامر اغلاق للمنطقة التي يصدرها القادة من اجل المستوطنين، تضرر بشكل كبير مصدر رزق الرعاة الفلسطينيين.
مثلا في البؤرة الاستيطانية التي اقامها شخص يدعى عومر عتيديا، هو وبعض الشباب يهددون بشكل دائم عشرات الرعاة من قرية العوجا ومن الخيام البدوية في شمال اريحا، ومثلما هو الوضع في بؤر استيطانية اخرى، مثلا في أم زوكا وحفات معون، بؤرة متفرعة من سلعيت ومتسبي يائير وغيرها، هم يأمرون القادة العسكريين والجنود بطرد الفلسطينيين وهؤلاء يخضعون لهم.
رغم أن الامر يتعلق ببؤر استيطانية غير قانونية، فإن الجيش يجند للدفاع ليس فقط عن سكانها، بل أيضا عن قدرتهم على سلب مصدر رزق الفلسطينيين وأن يفرضوا عليهم التجمع في مناطق أ و ب. وهكذا أن يخلوا معظم اراضي الضفة الغربية لتطوير المستوطنات وتوسيعها. في نفس الوقت، الادارة المدنية تواصل سياسة منع البناء الفلسطيني في مناطق ج وفي هدم مبان بسيطة مثل الاكواخ. وبنى تحتية ضرورية مثل انابيب المياه.
التصعيد الذي يشعر به الفلسطينيون يوميا هو بناء على ذلك، في السياسة الرسمية والمبادرات الفردية لحشرهم في الجيوب. هل الاحباط والغضب سيتم التعبير عنه في موجات جديدة من محاولات هجمات فردية أو منظمة ضد إسرائيليين؟ هذا ما يسمى في إسرائيل “تصعيد”، من خلال تجاهل الواقع التصعيدي الذي يسببه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock