فكر وأديان

المسلم المعاصر ودوائر الصراع والوعي المطلوب تجاهها

أسامة شحادة
يواجه المسلم والإسلام اليوم عددا كبيرا من الصراعات والتحديات على مستويات متعددة ، ومن جهات مختلفة ومتناقضة، ويمكن أن نجملها في ثلاثة مستويات رئيسية هي:
المستوى الأول هو مستوى الصراع الوجودي مع الإسلام والمسلمين، والذي يهدف للقضاء على الإسلام والمسلمين قضاء تاماً، ويتمثل ذلك في الجهود الإلحادية المنظمة الفردية والجماعية التي تستهدف نزع الإيمان من قلوب وعقول المسلمين إما عبر وسائل التواصل الحديثة أو الإعلام والدراما والروايات أو عبر سياسات الإكراه كما يحدث لمسلمى تركستان بالصين وغيرها أو عبر سياسات الإبادة كما يحدث في بورما ، وحدث في أفريقيا الوسطى أو عبر حملات التنصير لفقراء ومرضى المسلمين في دول أفريقيا وآسيا أو بين اللاجئين السوريين والعراقيين في أوربا.
وقريب من ذلك استهداف مدن السنة في العراق وسورية ومساجدهم وعلمائهم وتهجيرهم وإبادتهم بالقنابل الكيماوية من قبل القوى الطائفية المدعومة بقوى إقليمية وعالمية.
والوعي المطلوب تجاه هذا المستوى من الصراع بتشخيص هوية الفاعلين وإعلانهم أعداء صرحاء وعدم الانخداع والاغترار بأي مبررات تساق لتبرير جرائمهم الإرهابية وسياساتهم العدوانية، والمطالبة بمحاكمتهم ومعاقبتهم بمقتضى القوانين والمواثيق الدولية وعدم السماح لجرائمهم بأن يطويها النسيان أو أن يستمروا بها دون خشية من موقف أو عقاب أو مقاطعة جادة تقطع عدوانهم.
المستوى الثاني هو مستوى الصراع مع الإسلام من داخله لحرفه عن مساره وتطويعه لمآرب وتوجهات خارجة عنه، ويتمثل هذا بأشكال عدة من أبرزها محاولة تيارات الغلو والتطرف خطف قيادة الإسلام والمسلمين عبر التكفير والتفجير للعلماء والمصلحين وعامة المسلمين وهدم دولهم وبلدانهم القائمة، أو عبر الجهود الطائفية التي تسخر لها عشرات المنابر الإعلامية الطائفية التي تطعن في مقدسات المسلمين كزعم تحريف القرآن الكريم ، وردّة وكفر غالب الصحابة رضوان الله عليهم ونشر كل أشكال الشرك والوثنية، أو عبر الفرق الضالة الخارجة عن الإسلام، والتي تتظاهر بالإسلام كالقاديانية التي لا تؤمن بختم النبوة بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام وتزعم أن زعيمها القادياني نبي أيضاً! ومن فرق الضلال التي تحارب الإسلام من داخله طائفة القرآنيين التي تنكر السنة النبوية مما يهدم الكثير من أصول الإيمان والإسلام.
ومن أبرز من يصارع الإسلام من داخله جهود العلمانيين والحداثيين والملاحدة الذين يرفعون شعارات تطوير الخطاب الديني ويدعون للاجتهاد والتحديث في الإسلام برغم أن حقيقة دعواهم دعوة لتحريف أصول الدين والطعن في القرآن الكريم والسنة النبوية بحجج وذرائع شتى، ولعل ما عرضته كثير من القنوات لنماذج من الفتاوى لهذه الشرذمة التي أباحت الزنا والخمر والربا والكفر وهوّنت من كل أركان الإسلام ما يؤكد نيتهم حرف الإسلام عن مساره وهدايته.
والوعي المطلوب تجاه هذا الصراع الوعي وتعلم أسس وأصول الإسلام التي اتفق عليه الصدر الأول من المسلمين وعصور السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهو ما تشارك به الأئمة الأربعة وبقية أئمة المسلمين في بناء مذاهبهم عليها، ومن ثم الحذر من كل دعوة واتجاه وتيار يخالف هذه الأسس والأصول الواضحة والمتفق عليها، وعلى العلماء والدعاة والخطباء تحذير المسلمين من هذه الدعاوى الباطلة مهما تزينت بشعارات الجهاد وتحكيم الشريعة وحب آل البيت أو تعظيم القرآن أو تجديد الإسلام.
المستوى الثالث هو مستوى التنافس والصراع الضار والمفتت بين المكونات الإسلامية، وهو للأسف مستوى واسع جداً من الصراعات في داخل المكون الواحد نفسه كالصراعات الداخلية في المذاهب الفقهية والطرق الصوفية والجماعات الإسلامية، أو بين هذه المكونات مع بعضها البعض كالصراع بين الجماعات الإسلامية، أو الصراع بين كثير من السلطات الرسمية وجماعات المعارضة الإسلامية.
وللأسف أن جميع المكونات في هذا المستوى من الصراع يتورط في التناقض والظلم فيعيب على خصمه ما يمارسه هو في مكان وزمان آخرين ويكيل بمكيالين وهذا ملف مليء بالتفاصيل السيئة للجميع.
ولو أخذنا مثال صراع السلطة والمعارضة الإسلامية سنجد السلطة تعيب على المعارضة الإسلامية توظيف الدين والإسلام في الصراع، ثم تمارس السلطة ذلك التوظيف بإصدار فتاوى توافق سياساتها وتدعم تيارات دينة وإسلامية تتناغم مع رغباتها!
بالمقابل الجماعات الإسلامية المعارضة تشتكى من تصرفات الدولة العميقة والتلاعب بالدستور والقوانين وتطويعها لمصالحها على حساب العدل والشفافية بينما هذه الجماعات المعارضة الإسلامية متورطة أيضاً في سياساتها وهيكلها الداخلي بتكوين (دولة عميقة) كما تكشف عدة تجارب حزبية قامت بها وجلبت لها بعض المستقلين الذين سرعان ما اكتشفوا أنهم مجرد (كمبارس) وديكور وأن القرار يقطع في أروقة التنظيم الإسلامي وليس قيادة الحزب! فضلاً عن فساد انتخاباتها الداخلية عبر الكولسة وشراء الولاءات!
ومن تناقضات وباطل هذين الطرفين مطالباتهم بالإقصاء لبعضهما البعض، بينما الطرفان يقبلان بعض الأعداء بحجة كونهم حقيقة قائمة لا يمكن تجاوزها، فبعض الأنظمة الحاكمة تريد استئصال ما تسميه (الإسلام السياسي) بينما هي لا تمانع في التعايش مع العدو الصهيوني! وبالمقابل بعض المعارضة الإسلامية لا تقبل إلا باستئصال السلطة الحاكمة بدعوى دمويتها وأجرامها لكنها في نفس الوقت تقيم علاقات وثيقة مع إيران والمليشيات الطائفية.
والوعي المطلوب تجاه هذا المستوى من الصراع هو تطبيق الأمر النبوي الكريم: “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: “تأخذ فوق يديه” رواه البخاري.
فجميع المكونات الإسلامية لها حق الحب والتقدير والولاء والنصيحة، ويقبل منها الحق، ويرفض وينكر الباطل والظلم الذي جاءت به، والحق لا ينحصر كله في مكون واحد بل تتفاوت هذه المكونات في قربها وبعدها من الحق، ولكن لا تخلو من خير وحق تستحق معه حقوق الإسلام، والمسلم الموفق هو من يعرف الحق ويدور معه دون عصبية أو حزبية.
إذَا وعي المسلم بدوائر الصراع التي يجابهها الإسلام والمسلمين اليوم فإن هذا ينشله من دوامة التيه بالانحراف أو العصبية التي يغرق فيها البعض.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock