فكر وأديان

المسيحيون في رمضان

د. أحمد ياسين القرالة

“نحن مسيحيون بثقافة إسلامية” من أكثر العبارات التي يرددها أصدقاؤنا المسيحيون، يكررونها في كل مناسبة يعلنون فيها عن هويتهم الدينية التي ينتمون إليها، ويشعرون بالوقت ذاته بالفخر والتقدير للثقافة الإسلامية التي يعيشون في ظلالها، هذه الثقافة التي تحث على التسامح وتدعو إلى التماسك الأسري والترابط العائلي، وتجمع بين المادة والروح وتزاوج بين القيم الدينية ومقتضيات الحياة.
ومَن يراقب عادات وتقاليد الأخوة المسيحيين يجدها متأثرة إلى حدٍّ كبير بالثقافة الإسلامية والقيم الدينية، فهم يشتركون مع المسلمين في استعمال الكثير من العبارات الدينية التي هي في أصلها عبارات ونصوص إسلامية، ويقومون بالسلوكيات نفسها التي يقوم بها المسلمون التي لا تتعارض مع ما يؤمنون به ويعتقدونه.
ولما كان لرمضان طقوسه الدينية والاجتماعية وجدنا المسيحيين يتأثرون بها ويتفاعلون معها، فهم يتبادلون مع المسلمين التهنئة والتبريك بهذا الشهر، وينظرون إليه على أنه شهر للطاعة والقرب من الله تعالى، وهو موسم للترابط الأسري والتضامن العائلي تجتمع فيه الأسرة كلّها يومياً لتناول طعام الإفطار مع ما لهذا الاجتماع من أبعاد نفسية ودلالات عاطفية.
ولهذا الشهر عند المسيحيين حرمة خاصة، فلا تكاد تجد مسيحياً يتناول الطعام والشراب في الأماكن العامة، أو يخدش قدسية هذا الشهر أو يمس بمكانته الروحية والوجدانية احتراماً لعقيدة المسلمين وتقديراً لشعائرهم، فنجدهم يمتنعون اختيارياً عن الأكل والشرب مع أنهم معذرون في ذلك باعتبار الصيام عبادة دينية هم غير مكلفين بها.
كما يحرص العديد منهم، وفي مقدمتهم أرباب الطوائف، وبسرور بالغ، على دعوة المسلمين لتناول طعام الإفطار؛ لما لهذه الدعوات من أثر في توثيق الترابط الاجتماعي وتحقيق الوئام الديني وتعزيز قيم العيش المشترك، فيهيئون في هذه الإفطارات كل ما يتعلق بمستلزمات طقوسها الدينية تماماً كالمسلمين، ويتبادلون فيها التهاني والتبريكات ويعلنون عن مدى الترابط الاجتماعي الذي يجمع الأسرة الأردنية مسلميها ومسيحييها، ويستجيبون في الوقت ذاته لدعوات الإفطار التي يُدعَون إليها من قبل المسلمين.
ومما يدل على تأثر المسيحيين بهذا الشهر الكريم أن الكثير من العائلات المسيحية يتغير نظام الطعام عندها؛ حيث تتحول وجبتهم الرئيسية إلى العشاء تزامنا مع إفطار المسلمين، وتعد أطعمة رمضان ومشروباته وحلوياته هي المفضلة لهم في هذه الشهر الكريم.
وفي الأعوام الثلاثة المقبلة سوف نعيش حالة فريدة من الانسجام والتوافق الديني يجتمع فيها الصيام الإسلامي والمسيحي فيصبح المجتمع كله صائماً، تختلف الأساليب والوسائل والطقوس ولكن الغاية واحدة.
استطاع المسلمون والمسيحيون في هذا البلد خلق حالة فريدة من العيش المشترك يمارسون فيها التنوع في ظل الوحدة، فهم وإن كانوا مختلفين دينياً -ولا ضيرَ في الاختلاف- ولكنهم لا يختلفون أبداً على حبّ الوطن والحرص على وحدته وترابطه والابتعاد عن كل ما يعكّر صفو تماسكه أو يكدر مزاج تناغمه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock