آخر الأخبار حياتناحياتنا

المشاجرات الرقمية بين الأطفال.. إساءة وتنمر يؤثران على علاقات الكبار

تغريد السعايدة

عمان- يستهين العديد من الآباء بخطورة استخدام أطفالهم الهواتف الذكية في أغلب الأوقات، تحديدا مع العطلة الصيفية التي تزيد من أوقات فراغهم، وبالتالي الاستخدام الخاطئ لتلك الوسائل.
الهواتف الذكية وولوج الأطفال الدائم لمواقع التواصل الاجتماعي، يعرضهم والآخرين للتنمر والإساءة اللفظية، سواء مع أصدقائهم أو زملائهم بالمدرسة، وأحيانا مع أقرانهم من الأقارب.
تلك الخلافات الصغيرة بينهم تصل في كثير من الأحيان للكبار، وعلى إثرها تزداد المشاكل وتتفاقم، خصوصا مع التسجيلات التي يتم تبادلها وتوثيقها، والصور والفيديوهات، فضلا عن مكالمات الفيديو.
رسائل صوتية تتداولها الطفلة تالا ذات العشر سنوات، وصديقتها غزل التي تسكن في العمارة السكنية ذاتها؛ إذ يتجاذبان فيها أطراف الحديث “الرقمي”، ولكن ترتفع وتيرة النقاش أحياناً إلى أن يصل لحوار حاد يؤدي لمشاكل بين العائلات، جراء المساحة الكبيرة الممنوحة للأطفال من قِبل الأهل لاستخدام تطبيقات التواصل فيما بينهم.
والد تالا استفزه الكثير من التسجيلات التي سمعها في الحوار الدائر بين تالا وصديقتها، والتي فيها نوع من الإساءة لابنته، ما دفعه للتواصل مع عائلة “غزل” لتتحول تلك الرسائل من مشاكل بين الأطفال، إلى مشاحنات بين الأهل، ومقاطعة امتدت طويلا.
وتستغرب سمر موسى، وهي أم لأربعة أطفال، قدرة الصغار في مرحلة مبكرة من العمر، على الولوج لمواقع التواصل الاجتماعي واستخدامها بطريقة مماثلة للكبار، من ناحية التواصل فيها بينهم والحوار الذي يتخلله الكثير من استخدام المصطلحات والإيموجي، والتي حولت المشاجرات بين الأطفال إلى العالم الافتراضي.
وعن تجربتها مع أطفالها، وأصغرهم في سن الثامنة، قالت إنها تسمح لهم باستخدام الهواتف الذكية، بحكم عملها وتركهم لفترة من الوقت في المنزل، ولكن تعترف بعدم مراقبتها لهم بالشكل الكافي، وتتفاجأ أحياناً بأحد أبنائها، وقد تحول نقاشه مع أصدقائه أو أطفال العائلة، على الهاتف، إلى شجار وتبادل لكلمات الشتم والذم، والتي قد تصل إلى التنمر أحياناً.
ما يخيف سمر، هو أن هناك حالة من تبادل الصور فيما بينهم أو الحوار من خلال التسجيلات الصوتية، أو الفيديو، وأحياناً يتم التواصل من خلال الكلام المباشر عبر تقنية الفيديو، إلا أن تلك المشاكل سرعان ما تنتهي بين الأطفال، بيد أن حفظ تلك المراسلات لوقت طويل في الهاتف ومشاهدة الطفل لها بشكل دائم، قد يؤثران عليه على المدى البعيد، على حد تعبيرها.
الأخصائي التربوي عايش النوايسة، لا ينكر وجود تأثير مباشر على الأطفال من خلال التطور الحاصل، وخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت متاحة لهم، وبعلم الأهل وموافقتهم، وبناءً عليه، فإن التأثير يظهر على سلوكياتهم وتواصلهم مع الآخرين، سواء من أفراد العائلة أو أصدقائهم.
هذا الاستخدام المتواصل والحوارات التي يدخل بها الأطفال، كفيلة كذلك بأن تغير نمط حياتهم وأسلوب تعاملهم مع المشاكل التي يتعرضون لها من أصدقائهم، كونهم جميعاً يتواصلون من خلال الهواتف الذكية، ومن ضمنها المشاجرات العادية، ولكنها من خلال التواصل عن بعد قد تكون هجومية وفيها عنف لفظي، قد يصل مداه إلى الأهل، كونه مثبتا بالتسجيل أو الكتابة.
وعلى الرغم من الإيجابيات الكثيرة لمواقع التواصل في حياة الناس وتسهيل التواصل فيما بينهم، إلا أنها أصبحت كذلك وسيلة خطيرة ما بين الأطفال والكبار على حد سواء، بحسب النوايسة؛ حيث هناك العديد من المشاهدات التي تم رصدها للتنمر والعنف والمشاكل التي تطورت إلى حد بعيد بين الأطفال وذويهم، وهذا يتطلب تدخلا دائما من الأهل وتخفيف التوتر ما بين الأطفال وتقليل استخدامهم المواقع، بصورة حسنة وإيجابية وعدم “مجاراة الأطفال في مشاكلهم وتبسيطها”.
وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتعاون مع دائرة الإحصاءات العامة كانت قد قامت بمسح حول استخدام وانتشار الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في المنازل 2017، والتي تبين من خلاله أن 98.4 % من الأسر في الأردن لديها هاتف خلوي، و88.8 % من الأسر لديها خدمة الإنترنت.
كما أظهر المسح أن 65 % من الأفراد في الأردن وأعمارهم 5 أعوام فأكثر يستخدمون الإنترنت، وبلغ أعداد الأطفال الذين أعمارهم ما بين 5 و18 عاماً 3.3 مليون طفل من بينهم 1.6 مليون طفلة، يستخدمون الهواتف الذكية، في حين بلغ عدد الأطفال الذين يستخدمون الإنترنت 2.1 مليون طفل.
وخلال دراسة قام بها مجموعة من الباحثين البريطانيين، على أكثر من 12 ألف طالب، في العام 2019، فقد تم التوصل إلى أن “الاستخدام لوسائل ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة لساعات طويلة يوميا، يمكن أن يؤدي إلى التنمر لدى الأطفال والمراهقين في العالم الافتراضي وخاصة الذين يقومون بشكل متواصل بالنشر أو حتى يكتفون بمجرد التعليق والإعجاب بما ينشره الآخرون على مواقع التواصل، ويخصصون وقتا أقل للقيام بأنشطة أخرى وخاصة النوم وممارسة الرياضة، وهو ما يؤثر عليهم بشكل سلبي نفسيا وجسديا”.
ووفقا للدراسة، فقد حذر الباحثون من أن المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، وإنما وقوع الأطفال والمراهقين فريسة للآثار السلبية بسبب عوامل أخرى متعلقة بمدى الانخراط في المجتمع الافتراضي، ويتوقف ذلك التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي على مدى تعرض الفرد للتنمر عبرها، ومقدار ما يحصل عليه من نوم يوميا وما يمارسه من نشاط جسدي.
وينصح النوايسة الآباء بالحذر في تعامل مع الأطفال مع الهواتف الذكية، وأسلوب الحوار الذي يتم من خلاله، وضرورة تحديد طريقة الإستخدام وتقنينه، فالتعامل الكبير والمباشر والمبالغ فيه من قِبل الأطفال، قد يؤثر على كل تفاصيل حياتهم وليس فقط في النقاش مع الآخرين، وهذا بدوره قد يغير الكثير من المنظومة الأسرية التي تصل آثارها إلى الكبار وتمتد لمشاكل أعمق من كونها مشاكل أطفال.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock