آخر الأخبار حياتناحياتنا

“المشكلجي”.. متعة الانتقال بين خلاف وآخر لإيذاء الآخرين

رشا كناكرية

عمان- في الحياة، يتواجد ذلك الإنسان الذي “يتفنن” بافتعال المشاكل والخلافات في محيطه وبين من حوله، وكأنها هواية يستمتع بممارستها، غافلا بالوقت ذاته عن كم الأذى الذي يخلفه وراءه لمجرد رغبته في تحقيق هذه الغاية.

المشاحنات بين الأبناء تفقد العائلة الوفاق الأسري

الخلافات الأسرية ترسخ السلوك العنادي عند الأطفال

على مر الأيام تلتصق بهذا الشخص صفة “المشكلجي” الذي يرغب الجميع بالابتعاد عنه خوفا من الوقوع في شباكه، والتي بنظره قد تكون مسلية ومريحة إلى حد كبير، متناسيا مدى ضررها على نفسه أكثر من غيره على المدى البعيد.

وتعترف سارة أن شقيقها حاتم منذ طفولته يميل لافتعال المشاكل داخل العائلة وخارجها، ففي البداية اعتقدوا أنه مع مرور الوقت وتقدمه بالعمر سيتخلى عن هذه العادة، ولكن حصل عكس ذلك تماما؛ إذ زاد الأمر سوءا، وأصبح دائما يتسبب بالمشاكل وأينما يحل تنشب قصص تتفاقم وتصل لمشاجرات بين الإخوة، هذه العادة “السيئة” سببت غضب العائلة ونفورها منه في بعض الأوقات، ورغم أن هدفه أحيانا التسلية.

وهذا أكثر أمر يستفز العائلة، فكان شعور فرحته عند غضبهم وكأنه حقق ما يريده، حسب قول سارة.

وعبرت سارة عن خوفها، بالقول “نحن كعائلته نفهمه ونتغاضى عنه، ولكن المحيط الخارجي لن يتحمله وربما يكن له مشاعر الكره وقد ينفر البعض منه.. وهذا ما يقلقنا”.

وكذلك الأمر مع عهد التي تعمل دائما على نقل الكلام بين زميلاتها ونشر الإشاعات غير الصحيحة فقط لإثارة المشاكل في المكان الذي تعمل فيه، بحسب ما نقلت زميلتها لارا.

وتقول لارا “تحاول أن توقع بيننا من خلال قولها كلاما غير صحيح.. فقط لنشر الكره والخلافات بيننا.. في البداية كنا نصدقها وفعلا يحدث خلاف كبير بسببها.. ولكن مع مرور الوقت ومعرفتنا لها أكثر أصبحنا نعلم أنها “مشكلجية” وتحب أن توقع بين الأشخاص”.

“وبناء عليه، أصبح الجميع يتجنبها ولا نصدق أي كلام تقوله، كما يحرص الجميع على عدم التحدث أمامها بأي أمر، ما جعلها تخسر الكثير من الأصدقاء”، وفق لارا.

الاستشاري الأسري والاجتماعي الدكتور مفيد سرحان، يبين أن التعامل مع الآخرين وكسب قلوبهم “فن” قد لا يتقنه الجميع، لأن الناس مختلفون في الطباع والعادات والنفسيات.

مبينا أن هنالك فئة من الناس التعامل معها بحاجة الى قدر كبير من “الحذر والانتباه”، تحديدا من اعتاد أن يثير المشاكل مع الآخرين، أو التسبب بخلافات للآخرين، وهؤلاء “يتلذذون” بذلك غير مبالين بما تسببه تصرفاتهم من “إحراجات” وربما “مشاكل كبيرة”.

ويضيف أن منهم من يتعمد إثارة المشاكل عن قصد وتخطيط وسوء نية، ويتفنن في اختيار الأساليب، وهناك آخرون يعتبرون ذلك نوعا من “الفهلوة” و”المزاح” و”الدعابة” لإيقاع غيرهم في “فخ”.

ويلفت سرحان الى أن هنالك من هو معروف داخل الأسرة وبين الأقارب بأنه “مشكلجي” العائلة، ويحرصون على عدم الكلام أمامه أو إطلاعه على أسرارهم.

ومن جهة أخرى، هنالك نقل الكلام والمبالغة فيه بـ”الإضافة” أو “الحذف” أو “التحريف” وهي وسيلة أساسية عند هؤلاء، فهم يتطوعون في نقل الكلام ونشره، فخلال دقائق تجد أن خبرا سمعه من شخص في جلسة ثنائية قد وصل إلى العشرات وبروايات متعددة، وفق سرحان.

ويضيف “كما يجمع الأصدقاء أو الأقارب أو زملاء العمل أن فلانا “سوسة تنخر” في العلاقة بينهم بهدف إضعافها، ثم تدميرها، فهو يشعر بأن مهمته نجحت عندما يحقق هدفه”، بحسب سرحان، الذي يبين أنه مهما يكن مبرر هؤلاء، فإن الفعل لا يمكن “قبوله” أو “تبريره”، فالعلاقات بين الناس وإثارة الفتن ليست مجالا للمزاح أو الفكاهة أو معرفة “ردود الأفعال”.

ومن جانب آخر، فإن الجهل وضعف الشخصية والرغبة إلى لفت النظر “والتذاكي” أسباب أخرى تجعل الشخص “مشكلجيا” وهنالك من اكتسب هذه الصفة متأثرا بأحد أفراد الأسرة أو الأقارب أو الأصدقاء.

ويشدد سرحان على ضرورة أن ينتبه الجميع إلى من يثير المشاكل بينهم، وعدم الاستماع الى هؤلاء أو فتح المجال لهم للتأثير عليهم.

ولا بد من مصارحة “مثيري المشاكل” وتوضيح خطورة ما يقومون به وأنه يضر بالعلاقات الاجتماعية وأن أفعالهم تتنافى مع الأخلاق، وهي صفات مذمومة وإن كان الهدف منها المزاح والضحك، فالصدق قيمة عظيمة، وكذلك المحافظة على أسرار الآخرين وعدم إفشائها.

ومن الجانب النفسي، يبين الدكتور علي الغزو، أن هنالك بعض الظروف التي يعيشها الإنسان من الصغر تدفعه ليصبح لديه هذا السلوك، جزء منها عدم اهتمام الأهل به وتهميشه والتجاهل والتغافل عنه، وهذا يولد لديه سلوكيات خاطئة كردة فعل لما يمر به.

لذلك قد يتجه الإنسان لأن يكون “مشكلجيا” وهنا تقع المسؤولية على عاتق الأهل، لهذا تكبر أكثر نتيجة الضغط النفسي الذي يعيشه ويزيد لديه السلوك.

ويضيف “مع مرور الوقت، هذا الشخص يصبح لديه نوع من اللامبالاة وعدم الاكتراث، سواء كان للأهل أو لتفكير الآخرين، ويفتقد حس المسؤولية وتقدير الأمور من حوله، وقد يمتلك نوعا من الغرور، ومع الأيام تسبب له مشاكل، فقد يتعرض للأذى نتيجة محاولته أن يثير مشكلة قد تلحق به ضرر نفسيا وجسديا”.

وينوه الغزو إلى أن “المشكلجي” قد يكون ذا مكانة اجتماعية عالية وحاصلا على تعليم عال، لكن نتيجة التراكمات التي عاشها وعدم اهتمام الناس به وشعوره أنه “شخص منبوذ” يصل لمرحلة تولد لديه حب الظهور ولفت الانتباه إليه، ويبدأ على مستوى النميمة والنفاق ويوقع بين الأشخاص وهو يعلم أنه شخص غير مقبول اجتماعيا، لكن هذه النزعة تتولد لديه.

ويلفت الغزو الى أن ذلك النوع من الأشخاص عند نجاحه في افتعال مشكلة ما، يشعر أنه حقق الانتصار، ويعيش السعادة التي يختلف مفهومها بعالمه إلى جانب شعور الفخر بتحقق غايته فهو يجد الراحة فيها.

ويشير إلى أن التأثير الاجتماعي الأكبر يكون على مستوى الأسرة، خاصة إذا كان من أسرة لها مكانتها الاجتماعية، وهذا الأمر يسبب لأسرته خلافات على المستوى الاجتماعي، كابتعاد الأشخاص عنه وعدم الاحتكاك به ويكثر الكلام عليه، ما يضره نفسيا ويصبح منبوذا اجتماعيا.

ومن جهة أخرى، يؤثر ذلك سلبا على حياته، وفق الغزو، ويكون التعامل معه بحذر شديد وقد يكون على سبيل المجاملة فقط لا غير، وليس إرضاء له بقدر ما هو إرضاء للأشخاص الذين حوله كالأقارب، واحتراما للأب يتم التعامل معه لا أكثر كنوع من “المسايرة”.

ويشير الغزو إلى أنه من غير السهل تعديل السلوك لدى هؤلاء الأشخاص، وأحيانا لا يتقبلون النصح والإرشاد والتوجيه سواء بأساليب التعزيز السلبية أو الإيجابية، لأنها عادة تجذرت منذ الصغر ونمت معه، ومن الصعب التخلص منها.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock