ترجمات

المشهد من ووهان، حيث كسبت الصين الحرب على “كوفيد 19”

فريديريك شيفر – (وورلد كرنش) 26/9/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعد ثمانية أشهر من عزل نفسها عن العالم، أصبحت المدينة الصينية الكبيرة خالية من فيروس كورونا وعادت إلى العمل كالمعتاد، وإن كان ذلك ممزوجا بجرعة صحية من الدعاية.

  • * *
    ووهان – لا تحب تشينغ موسيقا الـ”هيب هوب” حقًا، ولكن عندما اقترح أحد الأصدقاء الذهاب لرؤية فرقة “الأشرار” في حفل موسيقي، فإنها لم تتردد في الذهاب. وتشرح هذه المرأة البالغة من العمر 20 عامًا، بشعرها المصبوغ باللون الأزرق الكهربائي وأذنيها المزينتين بالعديد من الأقراط: “لقد أصابنا الملل الشديد أثناء الإغلاق”.
    وبجوارها، ثمة العشرات من الشباب الذين يرتدون الأحذية الرياضية الضخمة وأغطية رأس كبيرة الحجم بإفراط، والذين يتقاطرون بهدوء إلى المكان أمام مسرح “ذا فوكس”، وهو قاعة حفلات مستقلة في ووهان. فبعد ثمانية أشهر من إغلاق المدينة الواقعة في وسط الصين والتي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة، أصبح الشباب يتوقون إلى قضاء بعض الوقت في الحفلات.
    يتطلب الدخول إلى مسرح “ذا فوكس” فحصا سريعا لدرجة الحرارة فحسب. وفي الداخل، الأقنعة اختيارية والتباعد الاجتماعي غير موجود. وبالنسبة للسيد تشياو شيان، مدير النادي، فإن الأشخاص الوحيدين غير المرغوب فيهم هم المدخنون. ومع ذلك، ما يزال وباء “كوفيد 19” يلقي بظلاله على المكان. ويشرح السيد شيان: “أعدنا الافتتاح في أيار (مايو)، لكننا نعمل بنسبة 50 في المائة فقط”.
    “بلدي: جيد!”
    طوال 76 يومًا بين أواخر كانون الثاني (يناير) وأوائل نيسان (أبريل)، كانت هذه المدينة مترامية الأطراف في مقاطعة هوبي معزولة عن العالم. والآن، تعود الحياة فيها ببطء إلى طبيعتها على الرغم من ذلك. ويستطيع الزوار القدوم إليها من بكين بالقطار الآن من دون الحاجة إلى تقديم “الرمز الإلكتروني سريع الاستجابة” للصحة الخضراء، وهو رقم “افتح يا سمسم” الثمين الذي ما يزال الناس يحتاجون إليه للمرور عبر أبواب العديد من المدن الصينية.
    “ووهان هي المدينة الأكثر أمانًا في العالم”، يقول السيد يي، مع الكثير من الابتسامات ومن دون قناع وجه، بمجرد صعود مجموعة من المسافرين الأجانب إلى سيارة الأجرة البيضاء والصفراء التي يقودها، من طراز سيتروين. ويشرح أنه تم إجراء الفحوصات لجميع السكان في الربيع. ثم، حتى يتأكد من أن ركابه يفهمون، يقول سائق الأجرة متلعثماً بضع كلمات باللغة الإنجليزية.
    “بلدي: جيد”! يقول بفخر بينما تمر سيارة الأجرة مسرعة فوق نهر يانغتسي.
    في باريس، أو برلين أو نيويورك، ما يزال ارتداء أقنعة الوجه إلزاميا. لكن هذا لم يعد واقع الحال في ووهان -أو في بقية الصين إذا كان ذلك يهُم. في منطقة الامتياز القديمة في هانكو، يصطف الناس في طوابير لتناول وجبة الإفطار من العديد من شاحنات الطعام المنتشرة. والاختناقات المرورية عادت إلى الشوارع الرئيسية العريضة لما كانت في الشتاء الماضي فقط مجرد مدينة أشباح. وفي ساعة الذروة، يزدحم المترو بركابه من العمال المتنقلين. وفي “سنيك هيل”، يقف السياح مرة أخرى أمام “برج كرين الأصفر”، أحد المعالم الأثرية الأكثر رمزية في المدينة.
    أبطال وضحايا
    في خضم حرب تُخاض ضد فيروس ما يزال يستعر ويعيث فساداً في بقية العالم، تقوم بكين بتحويل ووهان إلى رمز لـ”الانتصار الصيني” على مرض أطلقت عليه السلطات مؤخرًا اسم “الشيطان”. وجاء هذا التصريح في حفل فخم أقيم في “قصر الشعب” في 8 أيلول (سبتمبر) للاحتفال بـ”الأبطال” المجهولين في “حرب الشعب” ضد “كوفيد 19”.
    يشكل كل التركيز الذي يتم وضعه الآن على إعادة ولادة ووهان جزءً من حملة دعائية واسعة النطاق، مصممة، على ما يبدو، لتحييد الانتقادات الدولية بشأن تعامل الصين الأولي مع الوباء. وقد أشادت وسائل الإعلام المملوكة للدولة بإعادة فتح المدارس في وقت سابق من هذا الشهر، إلى جانب إقامة حفلة ضخمة حضرها عدة آلاف من الأشخاص الشهر الماضي، كدليل إضافي على “انتصار” ووهان على الوباء.
    ومع ذلك، بالنسبة لبعض سكان ووهان، التي سجلت حوالي 80 في المائة من مجموع الـ4.634 حالة وفاة بفيروس كورونا المسجلة رسميًا في الصين، يصعب استيعاب هذه الاحتفالات. وتوضح فنانة شابة، والتي فضلت عدم الكشف عن هويتها: “السلطات تحوِّلنا إلى أبطال حتى ينسى الناس حقيقة أننا ضحايا”.
    بفضل كاميرا صغيرة ووضعها كمقدمة رعاية طوعية، والذي أتاح لها الوصول إلى معظم المرافق، احتفظت هذه المرأة بسجل للمأساة. وتتذكر: “عندما ذهبت إلى بيت الدفن مباشرة بعد رفع الإغلاق ورأيت هذه المرأة تحمل رماد والدها بين ذراعيها بينما تحاول السيطرة على حزنها، لم أستطع إلا أن أجهش بالبكاء”.
    وتضيف ممرضة رؤيتها الخاصة للأزمة. وتقول إنه على الرغم من بناء المستشفيات الميدانية، كان هناك الكثير من الناس الذين ما يزالون يصطفون في طوابير لتلقي العلاج. وتقول: “شعرت أن البلدة كلها مريضة”. وعلى الرغم من أنها تستعيد توازنها الآن، خطوة بخطوة، تعبر الممرضة عن شعورها بأنها ما تزال مسكونة بهواجس ذكرياتها عن الموتى، خاصة في الليل.
    التزام بتعليمات الحزب
    ثمة سبب يجعل الناس حذرين كثيراً بشأن حماية هوياتهم وطلب عدم الكشف عنها؛ السلطات الصينية عازمة على السيطرة على رواية “كوفيد 19″، وهي تقوم بإسكات أسر الضحايا التي تحاول تحميلها المسؤولية.
    ومع ذلك، فإن تشانغ هاي، الذي فقد والده بسبب “كوفيد 19″، يرفض التراجع. وفي حديث عبر الهاتف من شنتشن، قال: “لو أن السلطات لم تخف الحقيقة ولم تتصرف في وقت متأخر، لما كان الوضع كارثيًا إلى هذا الحد”.
    تشانغ هاي مقتنع بأن والده أصيب بالفيروس عندما ذهب إلى مستشفى في ووهان في منتصف كانون الثاني (يناير). لكن محكمة ووهان المتوسطة رفضت شكواه، كما فعلت مع الدعاوى التي قدمتها عائلات أخرى أيضًا. ولإصراره على عدم الرضوخ للترهيب، قدم شكوى جديدة لدى المحكمة العليا.
    ويقول تشانغ هاي: “أبي، مثل الضحايا الآخرين، يستحق اعتذارا رسميا. يجب محاسبة السلطات على سوء إدارتها للأزمة”.
    بالنسبة للبعض، يصعب نسيان الأكاذيب وردود الفعل المتأخرة في بداية ظهور الوباء. وكان لوفاة قارع الجرس والمبلغ عن المخالفات الشاب لي وين ليانغ –المفتقد بشكل ملحوظ في حفل تكريم الأبطال الذي أقيم في بكين- تأثير كبير بشكل خاص.
    ومع ذلك، يفضل العديد من سكان ووهان المضي قدمًا وتحية الحكومة للسيطرة على الوباء بنجاح. وتقول امرأة شابة، مرددةً الخطاب الرسمي: “لم نكن راضين عما فعلته السلطات المحلية في البداية، ولكن بمجرد تولي الحكومة المركزية زمام الأمور، تحسنت الأمور بسرعة”.
    وتوافق صديقتها الجالسة أمام طبق من الدجاج بالبهارات الحارة: “قام أهل ووهان والحكومة بعمل جيد. أنظروا إلى الوضع في الخارج، إنه مخيف”.
    في الواقع، بينما يعيش بقية العالم في خوف من قدوم موجة ثانية، منح نجاح الصين في مكافحة المرض المزيد من الشرعية للحزب الشيوعي وسلطة الرئيس شي جين بينغ.
    انتعاش تدريجي
    منذ رفع الإغلاق، أخذت ووهان وقتها للعمل على علاج الصدمة التي ضربتها. أقام “متحف الثورة” معرضًا عن الوباء، والذي ضم بعض المواد الرمزية مثل الأردية الطبية. وفي جناح ليس بعيدًا عن “برج يلو كرين”، ثمة رسومات تُعرض.
    يقول أحد زوار المتحف: “تستحق ووهان أن تُسمى مدينة الأبطال. في وقت قصير وبفضل جهود الجميع، نجحنا في منع انتشار الفيروس في هذه المدينة العظيمة. كان الإغلاق هو الثمن الذي يجب دفعه، والآن عادت الأمور إلى طبيعتها”.
    ولكن، للحصول على الصورة الحقيقية الكاملة لعودة ووهان إلى الحياة الطبيعية، من المهم النظر إلى ما وراء الدعاية. من الناحية الاقتصادية، ما تزال المدينة تتعافى من انخفاض بنسبة 40 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول. ولا يخفي الكثيرون قلقهم بشأن التعافي الصعب والمتردد.
    ويوضح سائق سيارة أجرة: “في يوم ممطر مثل اليوم، لن أضطر في العادة إلى التجول بحثًا عن زبائن. لكن الناس لا يخرجون بنفس القدر كما كانوا يفعلون في السابق، ولديهم نقود أقل”.
    وفي السوق الليلي بشارع جيكينع، تندب مطاعم المأكولات البحرية غياب السياح. ويقول أحد أصحاب المطاعم: “في العام الماضي، كان العملاء يصطفون بالخارج كل ليلة في انتظار أن تفرغ طاولة. لكن المحل كان اليوم نصف ممتلئ مرة أخرى”.

من بين أول الذين أصيبوا بالفيروس في ووهان، كان الكثيرون يعملون في سوق هوانان للأطعمة الطازجة، الذي أغلقته السلطات في كانون الثاني (يناير). ومنذ ذلك الحين، ظل السوق مهجورا خلف حواجز زرقاء عالية، مما أثار استياء الأعمال التجارية المحيطة. ويقول بائع سجائر: “لم يعد أحد يأتي إلى هنا. يجب إعادة فتح السوق”.
استعداد للإقلاع
تعمل السلطات من أجل استعادة صورة ووهان وكذلك إنعاش الاقتصاد. وفي محاولة لجذب الزائرين وإغرائهم للعودة، تقرر أن يكون الدخول إلى أكثر من 400 موقع سياحي عبر مقاطعة هوبي مجانيا حتى نهاية العام. وتم إنشاء صندوق إغاثة بقيمة 100 مليار يوان (14 مليار دولار) من أجل منح قروض منخفضة الفائدة للأعمال الصغيرة ومتوسطة الحجم. كما تم الإعلان عن مشاريع بنية تحتية جديدة، بما في ذلك بناء جسر عملاق بطول 1.650 مترًا فوق نهر يانغتسي.
يقول أحد المراقبين: “إنها هوليووهان”. “الأموال تتدفق والشركات التي ترغب في مزاولة نشاطها هنا تحصل على معاملة السجادة الحمراء”.
في الأثناء، شرع سكان ووهان أخيرًا في استعادة الثقة. فحتى بعد انتهاء الإغلاق، تريث الكثير منهم قبل معاودة الخروج مرة أخرى. ويشرح أحد سكان المدينة: “كان منذ الشهر الماضي فقط في الحقيقة عندما بدأت أرى الناس في مراكز التسوق مرة أخرى”.
ولم يتم تسجيل أي حالات إصابة جديدة بـ”كوفيد 19″ في ووهان منذ عدة أشهر، لكن الخوف لم يختف تمامًا. ويقول ساكن آخر: “أشعر بالخجل من قول هذا، لكنني ما أزال أخشى مقابلة الأصدقاء الذين أصيبوا بالعدوى”.
وفي حرم الجامعات، ما يزال يُطلب من الطلاب عدم الخروج إلا للضرورة القصوى. ويضع الناس في ووهان في أذهانهم أيضًا أن تخفيف الإجراءات الصحية قد يكون قصير الأجل، كما اكتشف سكان بكين في حزيران (يونيو)، عندما شهدت العاصمة الصينية زيادة مفاجئة في الحالات الجديدة المرتبطة ببؤرة من سوق الجملة الرئيسي فيها. وقد استجابت السلطات هناك بتطبيق الحجر الصحي الفوري لحالات الاتصال، وإغلاق الأماكن السكنية القريبة من السوق، وإجراء الاختبارات الجماعية الكثيفة.
ثمة علامة أخرى على عودة الأمور إلى طبيعتها، هي أن مطار ووهان أصبح، منذ 16 أيلول (سبتمبر)، يستقبل الرحلات الدولية لأول مرة منذ كانون الثاني (يناير). وقد أظهر البث عبر الدوائر التلفزيونية المغلقة وصول أول المسافرين الذين يرتدون أقنعة الوجوه. وتم تصوير الموظفين وهم يرتدون ملابس واقية كاملة ودروع واقية للوجه.
ويترتب على الركاب -ومعظمهم من الصينيين العائدين إلى الوطن- تقديم نتيجة سلبية لاختبار يتم إجراؤه قبل أقل من 72 ساعة من الإقلاع. وبمجرد وصولهم إلى الصين، يجب أن يخضعوا لحجر صحي صارم في فندق معين تلقائيًا. في ووهان، يأتي الخطر الآن من الخارج.

*فريدريك شايفر
*مراسل لصحيفة “ليزيكو” الفرنسية اليومية في بكين، حيث يغطي الأخبار السياسية والاقتصادية الصينية. في السابق ، كان نائب رئيس القسم الفرنسي، المسؤول عن السياسة الاقتصادية وشؤون الميزانية. كان قد تابع سابقًا أخبار التكنولوجيا الفائقة.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The View From Wuhan, Where China ‘Won The War’ On COVID-19

انتخابات 2020
15 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock