آخر الأخبار حياتناحياتنا

المشي لقضاء الحوائج.. فرصة تعيد الاهتمام بالتفاصيل وكسب الود بين الجيران

ربى الرياحي

عمان– الواقع الصعب الذي تعيشه العائلات حاليا نتيجة انتشار فيروس كورونا، وتعطيل الكثير من مظاهر الحياة اليومية التي باتت شبه معدومة تقتصر على تلبية الحوائج الضرورية، وذلك فقط سيرا على الأقدام؛ منح الكثيرين الوقت للانتباه لأشياء قد تكون بسيطة لكنهم لم يعيروها اهتماما من قبل.
قرار إلزام الجميع بالمشي أوجد بالطبع حالة جديدة للتواصل حتى لو كان ذلك عن بعد وأخذ كل إجراءات الوقاية. هذا القرار غير الكثير من العادات التي كانت موجودة قبل الأزمة وجعل الحياة أقل ضجيجا وفوضى، كما أنه أضفى السكينة والود على علاقات ربما كانت سطحية بحكم المشاغل اليومية وإيقاع الحياة السريع.
الخمسيني أبو ضياء يجد أن الظروف الحالية بالرغم من صعوبتها، إلا أنها أزالت الغشاوة عن أعين الجميع وجعلتهم أكثر انتباها للتفاصيل كما يقول، فقبل الأزمة لم يكن لديهم الوقت الكافي لمعرفة بعضهم بعضا. سرعة الحياة التي كانوا يعيشونها وانهماكهم بالعمل والاعتماد على المركبات في التنقل، كلها أمور أسهمت في خلق التباعد النفسي والاجتماعي بين الناس وحرمتهم من التمتع بأبسط الأشياء.
ويبين أن قرار الحكومة بالسماح بتلبية الاحتياجات الأساسية سيرا على الأقدام تلافيا للتجمعات هو في حقيقته يحمل الكثير من الإيجابيات أهمها الحفاظ على السلامة العامة وتجديد الطاقة من خلال التخلص من مشاعر الاكتئاب والقلق، بالإضافة إلى رؤية زوايا جديدة سواء في العلاقات أو حتى في الأشخاص أنفسهم.
هذه الحالة الاستثنائية خلقت عند الكثيرين الدافع للتأمل في كل شيء حولهم، مؤكدا أنه هو شخصيا سيحرص حتى بعد انتهاء الأزمة على المشي يوميا والتحرر لو مؤقتا من صخب الطرق المزدحمة والملوثة.
وتؤيده في ذلك الأربعينية أم أمجد التي تنظر إلى قرار تأمين مستلزمات البيت سيرا على الأقدام على أنه فرصة أعادت الهدوء لأيامنا، ومكنت الجار من التعرف على جاره القريب لكن بدون أن يكسر مسافة الأمان تلك ويخل بشروط السلامة العامة.
تقول إن عملها لساعات طويلة خارج البيت أثر كثيرا على علاقتها بجيرانها؛ إذ لم يكن هناك وقت لأي نشاط من شأنه أن يقرب بينها وبينهم، مبينة أن الوضع الاستثنائي الذي يمر به الجميع فرض عليهم التفكير في الكثير من الأمور التي كانت غائبة عنهم أو ربما كانوا يتجاهلون وجودها في حياتهم.
وتلفت إلى أن المشي سمح لها بإقامة بعض العلاقات مع أهل العمارة التي تسكن فيها، وذلك خلال إنشاء جروب على “واتساب” يتناقشون فيه أهم المواضيع والأحداث اليومية التي تعنيهم جميعا.
ويذهب الأخصائي النفسي الدكتور يوسف مسلم إلى أن هناك حيز انتباه لكل شخص يختلف عن الآخر بمستوى الأوليات، وهذا حتما يجعل التركيز منصبا على أمور أساسية عدة يراها الإنسان في حياته كفيلة بأن تشغله عن أشياء كثيرة أخرى لم يسعفه وقته الضيق لرؤيتها أو الاهتمام بها، وبالرغم من أن البعض يعيش فوضى في تحديد أولوياته، إلا أن الواقع حاليا وصعوبة الفترة التي يعيشها الجميع كان له أثر واضح في تغيير الكثير من العادات والمفاهيم وحتى نمط الحياة.
ويضيف مسلم أن الروتين اليومي اختلف تماما ولم يعد كالسابق بحكم أن الجميع ملزمون بالبقاء في منازلهم كإجراء وقائي للحد من انتشار الفيروس. ويقول إن الأزمة فرضت نمطا جديدا للحياة فيه متسع كافٍ من الوقت بعيد كل البعد عن الروتين المعتاد، الأمر الذي دفع بالكثيرين إلى التكيف مع الظرف الراهن والانتقال من الانتظار إلى التأقلم، وذلك من خلال قيامهم بوضع برنامج جديد لحياتهم يتناسب مع المرحلة الحالية، وبالتالي يترتب على هذه الخطوة تغيير للأولويات ويتحقق ذلك كله بالقدرة على إعادة تقييم الأمور.
ويذهب مسلم الى أن قرار إلزام الناس بقضاء حوائجهم الأساسية سيرا على الأقدام أعطى فرصة للجميع للتأمل بكل النعم التي لم يقدروا من قبل قيمتها وكانوا يرونها مضمونة. ويؤكد أن الإنسان أصبح اليوم أكثر تمعنا بالتفاصيل حتى الصغيرة منها، نظرته الجديدة للحياة منحته القدرة على الانتباه لزوايا أخرى كان يتجاهلها أو ربما لم تكن تعنيه من قبل.
ويقول الأخصائي الاجتماعي مفيد سرحان “إن أزمة انتشار فيروس كورونا لها أثر كبير على طبيعة العلاقات الاجتماعية، فهي من جانب فرضت التباعد الجسدي بين الأشخاص كإجراء وقائي يصح به المختصون، وفي الوقت نفسه زادت من التواصل عن بعد عن طريق وسائل التواصل”.
إلى ذلك، متنت الكثير من العلاقات ودفعت الكثيرين إلى مراجعة أنفسهم والتجاوز عن أخطاء الآخرين سواء من الأقارب أو الأصدقاء أو زملاء العمل، وفي ظل الظروف الحالية ومنع التنقل بالسيارات والجلوس لفترة طويلة في البيت، أصبحت أعداد كبيرة تمارس رياضة المشي بشكل أسري وأصبحت مجموعة من رجال العمارة السكنية والجيران يمشون معا وكذلك الجارات وفي الظروف العادية.
الكثير من الجيران لم يكونوا يعرفون بعضهم بعضا، بل في كثير من المناطق تجد أن الشخص لا يعرف اسم من يسكن في الشقة المقابلة لمنزله، وذلك بسبب مشاغل العمل أو التفكير الخاطئ بأنه ليس بحاجة للآخرين، لكن في الظروف الحالية اكتشف الجميع أنهم لا يستطيعون العيش بمعزل عن بعضهم بعضا، وهذه هي طبيعة الإنسان الفطرية بأنه اجتماعي.
والحاجة إلى الآخر ليس بالضرورة أن تكون مادية، بل الأهم منها الحاجة الاجتماعية الإنسانية للتعبير عن المشاعر وتبادل الآراء بل للتسلية عن النفس والترويح عنها.
ومن أشكال التواصل الأخرى في هذا الظرف؛ إنشاء مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل المستمر وتبادل الرسائل والآراء والمواقف، وهي وسيلة سهلة للتواصل الآمن صحيا مع الجيران والأصدقاء، فالعاقل قادر على التكيف مع الظرف الحالي بأكبر قدر ممكن والاستفادة من وقته بما هو نافع وإقامة علاقات جديدة وتمتين القائم منها.
ويبين سرحان أن التواصل يعمق المحبة والألفة ويمكن الشخص من اكتساب خبرات ومعارف جديدة، كما أنه ضروري لمعرفة احتياجات الآخرين وإمكانية المساهمة في تقديم العون والمساعدة.
وفي الظرف الحالي وعدم إمكانية التنقل، فإن الجيران أكثر قدرة على تلبية احتياجات بعضهم بعضا، والمهم ألا يغيب عن بال الجميع أن هذا التواصل يجب أن يراعي الإجراءات الوقائية الصحية بالتباعد الجسدي أثناء المشي وعدم التجمع في البيوت أو في الحدائق أو الطرقات حتى لا ينتج عن تواصلنا أضرار لأنفسنا ولغيرنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock