أفكار ومواقف

المظلومية الجديدة

مع اقتراب وصول النخبة العسكرية المصرية إلى السلطة، بصناديق الاقتراع أو بالشارع أو حتى بالدبابات، يتأكد أننا أمام تشكل مظلومية جديدة تتأسس في هذا الوقت في الخطاب والممارسة لجماعة الإخوان المسلمين، في هذه المرحلة من تاريخ المنطقة العربية، وبما يختم ربما الفصل الأخير مما سمي “تحولات الربيع العربي”. أي إننا ندخل، مرة أخرى، دائرة الصراع المغلقة بين طرفي معادلة الظالم والمظلوم، ونفوت، مرة أخرى أيضا، الاشتباك مع فكرة الظلم نفسها، بغض النظر عن فاعليها؛ أي تفكيك العلاقات التي تنتج فكرة الظلم، وبناء علاقات أخرى تؤسس لفكرة العدالة والديمقراطية في عقول الرجال والنساء، وفي ممارساتهم.
المظلومية تبدأ بالشعور باغتصاب حق ما، وبأن موازين القوى لا تخدم المظلوم ولا تناصره؛ فيكتفي بالشكوى والشعور بالاضطهاد الذي قد يتحول إلى عقدة، إذا ما استمر الشعور بالظلم، ولم تتغير العلاقات القائمة. وفكرة المظلومية موجودة تاريخيا منذ مظلومية عبيد أثينا، مرورا بفكرة المظلومية عند الشيعة المسلمين، وصولا إلى مظلومية الإخوان المسلمين في القرن العشرين.
فقد شكلت عقود النصف الثاني من القرن الماضي مسرحا لرواية مظلومية التيار الإسلامي الأكثر انتشارا وتنظيما في تاريخ العرب المعاصر. تلك المظلومية المملوءة بذكريات معتقلات الضباط الأحرار وسجونهم، وأحزان سيد قطب في زنزانته، مع مصفوفة طويلة من أدبيات الاضطهاد والإقصاء والمنع والتشويه الذي مارسه عهد عبدالناصر ضد الإخوان، حسب روايتهم وما تبعها من تأويل.
ويبدو المشهد اليوم وقد اكتمل للدخول في حلقة أخرى في إنتاج مظلومية جديدة، وأهم ملامحها رواية الانقلاب العسكري، وحرق مقار الإخوان، ومطاردتهم وزجهم في السجون مجددا. والأهم في ذلك اغتصاب شرعية الحكم التي جاءت بها الصناديق، ثم ما يقدم من ترميز للرئيس المنتخب والمعزول، محمد مرسي، في سجنه، والسردية التي تروى عن أحواله، وما تحمله من رموز وتداعيات؛ منها وقائع، وأخرى خيال سياسي واجتماعي. في المقابل، تخدم الخطوات والأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها النخبة العسكرية، اكتمال عناصر هذا المشهد، وآخرها عزم وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي الترشح لانتخابات الرئاسة. ويبدو أنه لا يفصله عن السلطة إلا أيام.
ماذا يعني كل ذلك؟
أولا، أننا سنواصل لعبة الدوران في التاريخ. فالمظلومية هي صيغة لإدارة الصراع لا لحله؛ وصيغة لاختصار قضية الظلم والعدالة والاستبداد في الصراع بين طرفين، وليست إحلالا لحالة اجتماعية وثقافية وسياسية محل حالة اجتماعية وثقافية وسياسية أخرى. وثانيا، أن خيار الديمقراطية سيبقى أداة من أدوات الصراع بين الطرفين، وليس أداة لحسم الصراع والقبول بالنتائج؛ بمعنى أوضح: أن الديمقراطية مؤجلة. وثالثا، تأجيل حسم القيم الثقافية والسياسية مرة أخرى، وعلى رأسها علاقة الدين بالدولة والسياسة؛ بمعنى أننا أمام عقود من التناحر السياسي التي سنعيد فيها الماضي القريب.
كان فيلسوف المعذبين والمظلومين فرانز فانون يقول: “إن الثورات يطبخها فلاسفة وأخلاقيون عظام. وينفذها رجال شجعان. ويرثها فاسدون”.

[email protected]

تعليق واحد

  1. اوافق رايك
    موفق بطرحك الشكر الجزيل لك، الاضطهاد كان و ليس الفقر الدافع للثورات،و تم استغلال و ترويج لفكر ان الشعوب مظلومة بفقرها مقابل ترف الحكام،و انّ هذه الطبقة المضطده ما هي الا منجم ابطال بينما الحكام في خنوع،ساهمت المسلسلات عن حكم العثمانيين او الانتداب،و الكتب في ترويج هذا الفكر ليصبح قناعة لدى كل عربي بغض النظر عن حزبه او لا تحزبه.و الحقيقة أنه نفسهم اصحاب هذا الفكر اما مفكرين يسارين غادروا الحياة او يمين راغب بالسلطة ليصبح هو بدوره المترف المتصرف بالثروات لصالحه و المنصرف عن مصالح شعبه و قضايا امته.

انتخابات 2020
26 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock