قضايا

المظهر وإدراك الحقيقة!

د. رجائي الجاعوني

قالوا في الحكم على المظهر:
“الجميع يرون مظهرك ، لكن القليل هم الذين يستطيعون إدراك حقيقتك”.. مكيافيللي.
لا أظن أحدا منا لم ينخدع يوما بمظهر أحد المحتالين مما  أدى الى وقوعه ضحية نصب أو سلب ، لأن المحتال عادة ما يتمتع بذكاء عال مع موهبة الحديث بمعسول اللسان وفطنة الحكم على ضحيته إما بضعف الشخصية وطيب السريرة أو ضحية ذات دهاء ولكن ينقصها فن المراوغة التي تؤدي به الى الوقوع في شَرَك النصّاب الذي يسلبه ماله بوعي منه !
فقد قام بعض علماء النفس بعدة تجارب لدراسة تأثير المظهر على الناس فاتفقوا مع شاب عادي على أن يرتدي بدلة أنيقة وحذاء غالي الثمن ثم طلبوا منه سرقة سي دي من محل كبير متخصص بهذه الإلكترونيات .. بكل هدوء تناول سي دي عن أحد الأرفف ، وضعه في جيبه ثم سار بكل ثقة باتجاه باب الخروج .. نظر اليه الجميع مستغربين مع وضع احتمالات: قد يكون صاحب المحل أو رجلا مهما جدا ، هؤلاء مثلوا 71 % والباقي اُصيبوا بصمت غريب ! ولكن عندما ألبسوا ذات الرجل سروال جينز مهترئا وقميصا لا يساوي دولارا صاح 87 % ممَن كانوا في المحل حرامي ، لص ، لا تدعوه يفلت !
في المطارات يعلم رجال الأمن جيدا كيف يكون شكل أو مظهر المجرم بانحناءة الكتفين ، يسير مندسا بين الناس ثم يمر بسرعة دون أن يلتفت. أما المجرم المتمكن فيسير بخطوات عسكرية ثابتة رافعا رأسه ومحدقا في وجه الحارس لعدة دقائق ثم يمر بسهولة حتى لو كان معه كل الممنوعات !
فما يزال قول كونفوشيوس يتطابق وواقع حياتنا:
“الكلمات اللبقة والمظهر الأنيق نادرا ما يرافقها فضيلة حقيقية”.
فكم نصادف يوميا أشخاصا نظنهم من خير الأنام ، نتعامل معهم باحترام وثقة ثم نجد أنفسنا وقد وقعنا بمشكلة نصب واحتيال أو نشل بخفة يد ، تظهر بعدها ابتسامة على وجه المنتصر الذي أتقن حيلته بجرأة ووقاحة ، أما على وجوهنا فيعلو تعبير أبله ذو خيبات!
 في السياسة التي هي فن قائم بذاته .. بحاجة إلى ذكاء ، تجارب وكثير من الدهاء إلى جانب موهبة التمثيل ؛ أمام الكاميرات والصحافة يصافح المسؤول غريمه بابتسامات عريضة مع عناق يؤكد الاتفاق والوفاق ،  ثم تأتي الأخبار في اليوم الثاني أنهما لم يتفقا وقد شنا حربا كلامية واتهامات نضطر لفتح فمنا استهجانا وحمقا أننا صدّقنا المشهد التمثيلي وبراعة السياسيين في الأداء تحت مظهر برع فيه المخرج وفريقه من فنيي الديكور والملابس!
استمرت تجارب العلماء بأهمية المظهر في حياتنا ، فطلبوا من رجلين أن يرتديا أفضل ما لديهما من ثياب ثم طلبوا منهما أن يقفا عند معبر ضيق في شارع بقصد أن يسداه جزئيا تاركين فراغا لشخص واحد .. 11 % فقط استطاعوا وبصعوبة المرور بينهما بينما الباقي أخذ طريقا التفافيا ، ليس إلا أنهم كانوا محرجين أن يقطعوا على الرجلين اللذين أعطيا انطباعا بأهميتهما واضطرارهما للحديث بسدّ مكان مرور الناس.
الأطفال هم الوحيدون الذين نالوا عطف كل الناس باختلاف ملابسهم ومظهرهم وكأنهم القاعدة والقانون الثابت بخلفية براءة الطفولة وعدم القدرة على أداء دور مسرحي خادع حتى وإن أُجبروا على لعب دور البائس المسكين! 
لا شك أن لباس الشخص يعطي انطباعا سريعا عند أول لقاء يحمل صفة اجتماعية أو مقابلة من أجل التوظيف، إلى أن يبدأ الحديث الذي قد يصدر بعده الحكم سلبا أو إيجابا بانطباق شكل الهندام على الشخصية التي وراء المظهر بدلالة قول إيسوب الحكيم:
المظهر الخارجي بديل ضئيل للقيمة الداخلية!
يجب ألا نكون متشائمين عندما يجتاحنا الريب في الملبس الرائع ، كما لا نتجاهل انسانا صاحب ذوق ؛ عادته التأنق اينما كان ، كما يجب ألا نصاب بظنٍ واستنفار ونحكم عليه بالنصّاب .. أبدا فما يزال الصدق والاستقامة يسكنان في كثير منا ، لكنها الحياة الملونة بشتى الأصناف ؛ من الفاتح المفرح الى القاتم كاتم الأنفاس ، إلى المعتدل المحير .. ولأننا في عصر تفنن فيه النصابون ، وأبدع الكذابون وسيطر قويّ الشخصية فجعل ضحيته مجذوبا اليه مصدقا وعوده الملتوية .. كل ذلك جعل العلاقات معقدة بسوء الظن وتكذيب صاحب الوعد وإن كان صادقا . فهل ذكاؤنا وتجاربنا تكفي لكشف خداع المظهر؟ وهل تكفي الثقة والتعامل السابق بصدق الوعد؟ أغلبنا الآن يردد:
أنا لا أثق بأحد ، أنا لا أصدق أحدا .. المظهر لا يخدعني وإن كان اللباس تحت مسمى ماركات عالمية مشهورة .. فأي حياة هذه التي نعيشها وكل شيء من حولنا ليس حقيقيا ؟ فقد اختلط الحابل بالنابل وضلت القافلة طريقها ، فانتشر الرَبعُ والعيس كل الى محطة ذات اسم وعنوان وصفة .. يضيع الخَلق ويختلف ، والأعسر إيجاد الخُلُق والمظهر الحسن !
وليتهم يقرؤون .. !

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock