أفكار ومواقف

المعارضة الإسلامية تطلب الحوار

عجيب تعاطي المعارضة الإسلامية مع الحوار! فهي ترفضه عندما تتم دعوتها إليه، ولا تتعامل معه بجدية وصدق عندما يتأتى مع جهات عليا، ثم تعود لتطالب به متجاهلة تاريخها الرافض والمستخف به! هذا الارتباك يعزز الانطباع أن الحركة الإسلامية لا تعي أهمية استثمار الفرص عندما تتاح، وتعتقد مخطئة أنها في موقع يسمح لها بتحديد متى ومع من تتحاور، في حين أنه لا يمكن التعامل معها إلا كجزء من الحراك السياسي الدائر، حتى لو كانت المعارضة الأكبر والأكثر تنظيما.
الحوار من حيث المبدأ أمر محبذ وصحي وبناء، وقد تكون له نتائج إيجابية على الحراك الإصلاحي أكبر بكثير من كل مسيرات الجمع. ولكن، لنضع أنفسنا للحظة مكان من سيقرر بشأن الحوار مع الإسلاميين من قبل الدولة، فالأرجح أن هؤلاء سيكونون ميالين إلى الاعتقاد بعدم جدية الإسلاميين في طلب الحوار، لأنهم غير قادرين أو مستعدين للخوض في نقاش استراتيجي قد يرتب على الحركة الإسلامية تعديلا أو تغييرا في خطابها السياسي. فالحركة، كما يبدو، باتت حبيسة لضرورات التلازم والتلاحم مع قواعدها، أكثر من ضرورات الاشتباك مع القوى السياسية الأخرى أو الدولة.
وحتى على افتراض جدية الإسلاميين هذه المرة في الحوار مع الدولة، واستعدادها لمزيد من المرونة، أليس مشروعا التساؤل مع من التحاور في ظل انقسام قيادة الحركة؟ هل سيتم التحاور مع “الاستشاطيين” المغالين، أم مع من يكبرون ويكذبون، أم مع العقلاء الذين لا يمونون؟! هل المعارضة الإسلامية قادرة على الإجماع على وفد تفاوضي يمتلك كامل صلاحيات التفاوض، وتكون لقراره الصفة الملزمة للحركة وقواعدها؟ ألم نألف على مدار الأشهر الماضية لعبة توزيع الأدوار حتى بتنا لا نعرف مع من نتحدث وبماذا نناقش؟
أنا وغيري كثيرون على يمين الحركة الإسلامية عندما يرتبط الأمر بالإصلاح، فقد سئمنا حكومات لا تقوى على الدفاع عن سياساتها وقراراتها، وبرلمانات استنفاعية مختارة لا منتخبة، وعملية توزيع مكتسبات ومواقع مهينة للأردنيين. ولكن بصراحة، لا تبدو ظروف هذا الحوار قد تحققت، ولذلك فالأرجح أنه لن يكون حوارا استراتيجيا بنّاء يفضي إلى تفاهمات إصلاحية تاريخية.
المعارضة الإسلامية معنية “باستمالة” وإقناع الدولة بجدوى الحوار وجديته هذه المرة. وهي ملزمة بإدخال التعديلات الضرورية على مواقفها وخطابها السياسي -كما حدث من تبرئها المقدر من بعض شعارات الجمع- بما يجعل صانع القرار يفكر بها كبديل سياسي حقيقي للنخب التي فقدت قدرتها على الفعل والإقناع. وهي معنية بالاقتراب من النموذجين المغربي والتركي في الطرح السياسي، وعندها فمن شبه المؤكد أنها ستدخل دائرة التأثير في الحدث السياسي والتنفيذي، وستكون البديل المفضل من قبل الدولة.
لقد وصل حراكنا الإصلاحي إلى مرحلة اللاعودة، ولن يوقفه أو يبطئه بعد اليوم إلا معارضة لا تعي أهمية التعامل معه بنضج استراتيجي وحصافة سياسية. والمعارضة الإسلامية ملزمة تاريخيا وإصلاحيا وأخلاقيا بأن تطور خطابها السياسي بما يجعلها تقف كبديل سياسي للنخب الحالية، فهذا عن سواه سيؤدي إلى مأسسة الإصلاح وتقدمه، ويبعد البلد عن احتمالات الفوضى والتخبط لا قدر الله.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock