;
أفكار ومواقف

المعارضة التركية الواثقة بنفسها

منذ العام 2002 الذي شهد أول انتخابات برلمانية عقب تأسيس حزب العدالة والتنمية، فشلت الأحزاب التركية الأخرى (المعارضة) في نيل الأغلبية، وتولي السلطة. أما الإنجاز الوحيد لها على هذا الصعيد، فقد كان حرمان “العدالة والتنمية” من أغلبيته البرلمانية لعدة أشهر، عقب انتخابات حزيران (يونيو) 2015، ثم الفشل في تشكيل حكومة ائتلافية، أدى إلى الدعوة لانتخابات مبكرة في تشرين الثاني (نوفمبر) التالي، أعادت الأغلبية للحزب الحاكم.
رغماً عن ذلك، سابقت هذه المعارضة (القومية والكردية) حكومة “العدالة والتنمية” والرئيس رجب طيب أردوغان، إلى رفض الانقلاب ليل يوم الجمعة الماضي؛ حتى قبل أن تعرف من يقف خلفه، وما هو حجمه، وفي وقت بدا فيه الغرب عموماً، من خلال تصريحات مسؤولين، أقرب إلى قبول الانقلاب، إن لم يكن الترحيب به. ويمكن المجادلة بأن موقف المعارضة التركية كان حاسماً في تحريك الشعب ضد الانقلاب بناء على دعوة أردوغان؛ إذ أدرك الانقلابيون حينها أنهم سيواجهون كل فئات الأتراك، في كل منطقة، وليس فقط مؤيدي “العدالة والتنمية” والمتعاطفين معه.
وإذ قيل، عن حق طبعاً، إن موقف المعارضة التركية دليل إيمانها الراسخ بالديمقراطية خياراً وحيداً لحكم بلدها وضمان استمرار ازدهاره؛ فإن الأهم أن هذا الإيمان لا يمكن أن ينشأ إلا عن إيمان أسبق، هو الإيمان بالنفس. إذ رغم حصيلة أكثر من ثلاث عشرة سنة مضت، كما المعطيات القائمة للآن، ما تزال المعارضة التركية على إيمانها بقدرتها، ولو بعد حين، على تعزيز حضورها الشعبي، وصولاً إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع.
وموقف المعارضة التركية هذا ودوافعه، هي على النقيض تماماً من حال أغلب القوى السياسية العربية “غير الإسلامية”، التي أعلنت يأسها من نفسها؛ بتجديد خطابها وتعزيز حضورها شعبياً، معلنة التحالف مع أنظمة هي بين الأشد في عدائها للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان على مستوى العالم ككل. وذلك عبر تبني هذه القوى شعارا غربياً هو “صوت واحد لمرة واحدة”، أطلق للتحذير من وصول الإسلاميين إلى السلطة في العالم العربي عبر صناديق الاقتراع، وبما عنى ويعني التحذير من الديمقراطية ذاتها، طالما أن الأحزاب والقوى الإسلامية هي الأقوى حضوراً وتنظيماً في العالم العربي. هكذا، من باب الحرص على “الديمقراطية!” التي تدعيها هذه القوى، قررت الارتماء بحضن أنظمة لم تعترف طوال عقود حكمها بصوت لإنسان عربي واحد، ولا حتى لمرة واحدة!
ومن المناسب هنا التذكير بانتهاء صلاحية ذرائع هذه القوى والأحزاب المتحالفة مع الاستبداد. فالإسلاميون يفوزون في تونس ومصر، اللتين كانت فيهما الأحزاب الإسلامية ممنوعة ومطاردة ومهجرة. أما في البلدان التي شهدت العكس، فلم يعد ممكناً ترجيح أفضلية الإسلاميين بعقود خلت، بعد مرور سنوات ولربما عقود على عودة العمل السياسي القانوني العلني للأحزاب كافة، لكنها فشلت في غالبيتها العظمى في إثبات حضورها الشعبي، في مواجهة الإسلاميين أو حتى بغيابهم عن الانتخابات.
بعد موقف المعارضة التركية الأخير المشرف، وقبله تسليم حزب “حركة النهضة” مقاليد السلطة في تونس عقب خسارته الانتخابات التشريعية، يبدو صحيحاً تماماً أن “صوت واحد.. لمرة واحدة” هو حقيقة عربية، لكنها تخص أحزاباً قومية ويسارية وليس إسلامية. وكثير منها يبدو مستعدا لاستجلاب احتلال إيراني وروسي كي لا تخسر نفوذها وفسادها.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock